الحادية عشرة ليلاً ..

الحادية عشرة ليلاً ..

انتهى اليوم بمحاسنه ومساوئه .. الحرب في شمال مالي لم تبدأ رغم كل توقعات الصحف .. وخفت حركة الشوارع المزدحمة بكل شيء هذه الأيام: السيارات والبشر وأسواق “السعي” المتناثرة كلما أمكن .. وكاد السكون يخيم على الحي الذي أقطنه لولا ذاك الأخرق الذي جعل إتلاف أعصابي هدفه الأول والرئيس .. إصرار عجيب على “تمتيع” سيارته عند جزيرة الدوران القريبة كل ليلة .. وسط صياح وتشجيع بضعة عشرات من “الفاضيين” من أبناء الجيران .. أفكر بالدعاء عليه ثم أتذكر أنه يدفع ثمن الإطارات من جيبه الخاص .. وهو لعمري عقاب يكفيه ..

الحادية عشرة ليلاً ..

 تجلس ليبيا ككل ليلة خلف أجهزة الكمبيوتر .. وعبر المواقع الاجتماعية تضع نقاطاً ما على الحروف المتناثرة على الخارطة شرقاً وغرباً وجنوباً .. يرسم كل شخص الوطن كما يراه ويحلو له .. ثم يحاول تسويقه للآخرين عبر سيل من المزايدات والمغالطات والشتائم .. فتصبح ليبيا “كيف الفصل الي عنده حصة فاضية” .. الكثير والكثير من الآراء والضوضاء والإشاعات والأكاذيب .. ولا أحد يسمع .. ولا أحد يفهم ما يجري على وجه التحديد .. بل ولا أحد يريد الفهم كذلك .. شد مستمر في الاتجاهات ذاتها .. واحتقان يتلوه احتقان .. وفي كل احتقان المزيد من الضحايا ..

الحادية عشرة ليلاً ..

ذروة الحوار السياسي الليبي بأشكاله .. ترتفع حرارة الـ”فيسبوك” بشكل ملحوظ ويرتفع معها ضغط المواطن الذي تعود النقاش بحدية وانفعال .. وتتكرر مصطلحات بعينها بإسهاب : مركزية .. فيدرالية .. ثوار .. حرية .. المؤتمر الوطني .. أزلام النظام .. دماء الشهداء .. الحكومة .. وغيرها من المصطلحات التي تعجن وتفرد حسب الأهواء والتيارات .. تطرح الحكمة جانباً .. ونواظب على التمسك بمواقفنا بتعنت مهما ابتعدت عن الصواب والمنطق .. ويصبح كل منا عراب هذه الثورة بلا منازع .. وربما بطلها كذلك ..

الحادية عشرة ليلاً ..

تتصاعد وتيرة التصريحات والبيانات والتسريبات من أطراف البلاد .. ويستحيل الإعلام الليبي ساحة حرب لا حدود ولا أخلاق فيها .. يستباح الجميع لأجل الجميع .. ويصير الآخر خائناً وعميلاً ومندساً إذا لزم الأمر .. يتراشق الساسة بكل شيء عدا الأحذية في معظم الأحوال .. ويداومون على التغزل بالمواطن الرائع مادام يملك صوتاً انتخابياً .. أو سلاحاً .. تعزف سيمفونية التملق بكل احتراف .. فتضيع الحقيقة على ألسنة الليبيين ..وتصير كلمة الحق “الوجاعة” خطأً لا يحدث إلا نادراً .. وإن حدث فهو من مسؤولية مرتكبه فقط وعليه مواجهة تبعاتها .. فلا أحد سيتحمل معك العقاب في بلد لا يريد سماع الحقيقة ..

الحادية عشرة ليلاً ..

هنالك في بقعة ما من هذا الوطن يقرر أحدهم أن مجموعة ما قد صارت عبئاً ثقيلاً على هذه الدنيا وأنه قد حان الوقت لإنهاء حياتها .. تصف السيارات المحملة بحاصدات الرقاب بأشكالها .. وتحمل الأسلحة والعقول الفارغة على الأكتاف .. تسير قافلة الموت في عتمة الليل لتصفية حساب ما .. قبلياً كان أو مصلحياً .. لا فارق هنالك .. المهم أنهم سيطعمون مدافعهم المزيد من الأرواح ..

تطير بعض الرقاب ويُيتم بعض الأطفال .. ثم يرجع البقية إلى بيوتهم متفاخرين ببطولات وأمجاد توهموها .. ليجلسوا في انتظار انتقام الضحية ..

الثانية عشرة ليلاً ..

يزحف ما تبقى من الأمل خارج مكتبي الصغير .. أتأمل ببلاهة هذا الضجيج المرتسم على شاشة الكمبيوتر .. وأدرك أنني لن أزيده إلا صخباً .. وأنه ما زادني إلا إحباطاً .. وأقنع نفسي بأن الغد سيكون أفضل ..  فأبدأ في البحث عن المخدة ..

تصبحون على خير ..

حفظ الله ليبيا

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

Advertisements

إنتا مش فاهم شي !!

نجلس في تلك البقعة الضيقة على أعلى تبة متواضعة ..  نسميها اعتباطاً “الجبل” وكلنا درس تعريف الجبال في مادة الجغرافيا .. ساعتها قالت لنا معلمة المواد “القومية” أن هناك في العالم الآخر، تكون الجبال تماماً كما نراها في اللقطات التي تعرض مع موسيقى العود “الدينية” بعد الأذان وقبله، مصحوبة بصوت خاشع يسبح لله على قناة تكفر به لاحقاً على يدي الزعيم القائد .. تكون الجبال كما في الصورة .. شاهقة بديعة .. ولها سنم ثلجي أبيض .. عندنا نضخم الأمور كعادتنا فتتحول تلك التبة المليئة بالغبار والحصى إلى “جبل” .. وتتحول ليبيا إلى منارة تضيء الطريق أمام العالم نحو الانعتاق النهائي .. الخ

نتجاذب خيوط الكلام ونموج عبر ممرات الدنيا .. حكايات خرقاء تمتليء بالأكاذيب وبالصراخ وبالـ”طلاقات” .. يطرح فيها كل شيء ويفصّل فيها كل شيء .. يُسلخ فيها المسؤول والمواطن على طاولة واحدة .. ويخرف كل منا بما يعرف وما لا يعرف .. يمكنك هنا إلصاق ما شئت بمن شئت .. فكل ما تقوله حقائق مادام ابن عمك قد “شافها بروحه” .. يفتح شلال الأخبار فيصبح ملء ثواني الصمت بصوت الأرقيلة ترفاً ليس هذا مكانه أو وقته ..

– “هما أصلاً يبوا يقسموا البلاد .. الزبير وجماعته ..”

– “يقسموا شنو؟ فيش تخرف انتا؟ البلاد ما يقسمها حد .. بس شوي من الحنة وشوي من رطابة الإيد .. الجماعة يبو العدل”

– “يا راجل أنا جاري “فرج” حضر اجتماع متاع الفيدرالية وقاللي علي الطلاق الجماعة تغدوا بازين .. يعني يدعموا فيهم من مغرّب ..”

– ” تهيالي دوغة .. عشان قالوا حفيده واخذ بنت الزبير”

– ” ارفس !! قالك دوغة مناسب الزبير .. بعدين هذينا كلهن حركات الإخوان الي يبوا يكوشوا عالبلاد .. مش مصطفى عبدالجليل إخوان؟”

– ” اااااه إخوان .. والمقريف حتى هوا قالوا إخوان .. امالا تبي جماعتك يفتوحلنا البارات ويخلوا البنات يتراقصن في الشوارع؟ استغفر الله يا راجل”

– “ما قلناش شي بس العطيبين ياخذوا في دعم من قطر ومصر .. محمود جبريل قالها .. حتى سي امحمد قالها”

– “اي عاد انتا وسي امحمد متاعك .. محمود جبريل أصلاً متسلق وصاحب سيف وأمريكا تدعم فيه .. بعدين قالوا يبي يسكر الخلوة الي جنبنا .. وعيالي وين يحفظوا بعدين؟”

– “عيالك مش صاير منهم علي كل ريح .. تَسكر وادز في عيالك للخلوة .. وبعدين اش دخل الخلوة الي جنب حوشكم يا جاهل؟”

– “أنا جاهل يا ***** ؟؟ امشي يا نعن ***********”

هكذا تدور لقيمات الأفكار دون ترابط أو ثوابت .. ويصبح المواطن الليبي خبيراً بكافة صنوف السياسة والاقتصاد، وعليماً بكل المؤامرات السرية التي تحاك في الخفاء .. لحسن الحظ لكل مواطن ليبي جار يدعى “فرج” ..

“فرج” يعمل في كل المؤسسات ..

“فرج” يعرف البوادي والحضور والشراقة والغرابة .. والفزازنة أيضاً ..

“فرج” ينفث النار من فمه ويحضر كل الاجتماعات واللقاءات السرية .. ويخبرك دائماً بمكنوناتها ..

نحن كليبيين تلقينا تربية صماء عنيدة .. لا تتقبل النقاش ولا تمارسه .. لديها مُسلّماتها ومحرماتها الكثيرة .. تربية تتمحور دائماً حول الـ(أنا) .. الأنا الشخصية والأنا الفكرية والجهوية والقبلية .. أنا تربت “عالعز” حتى تورّمت .. ولم تعد تتلمس حولها سواها .. ولم تعد قابلة للاعتراف بوجود (أنوات) أخرى داخل سفينة نوح الليبية المزدحمة ..

بفضل كل هذا وأكثر، يصبح الوطن قماشاً يفصله كل منا على قدر عوراته ورغبته في سترها .. أو كشفها .. ويصبح كل منا العالم الوحيد بما يصلح لهذه البقعة التعيسة من الصحراء المزاحمة لمياه المتوسط .. لا حوار ولا نقاش ولا جدال يصلح هنا .. ولا دواعي لتضييع وقتنا الثمين في محطات “قولّي ونقولّك” التي لا تنتهي .. فالمجلس لوحده يفهم كل شيء .. دون دفع من أحد .. والإخوان وحدهم يفهمون كل شيء .. وكذلك نسخة الليبرالية الليبية الخجولة المدعوّة “الإسلام الوسطي” .. بالإضافة إلى السلفيين و الناصريين والقوميين وأنصار الشريعة .. وست ملايين خبير سياسي اقتصادي اجتماعي عسكري .. يضمحل المشروع الوطني وسط عاصفة من التشكيك والتخوين والعجاج .. ويصير الزعيق والنعيق لغة للحوار .. وتصير الخيانة والعمالة والأجندية تهماً معلبةً جاهزة للالتصاق بالخصوم عند أول اختلاف .. ويصبح الشرف تحت الأقدام مطية .. للعبور إلى كراسي السلطة .. وكله لأجل ليبيا أفضل ..

************

“أصلك انتا مش فاهم شي !!” .. صرخ المحرر حين عرضت عليه المقال ..

حفظ الله ليبيا

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

رمضانيــــــات ..

ككل مرة يباغتك شهر رمضان دون أن تنتبه ..هكذا ودون مقدمات .. تكون غارقاً في مشاغلك الاعتيادية وعاداتك السيئة .. فتأتيك مكالمة الوالدة العزيزة بعد صلاة العشاء مبشرةً : “كل سنة وانت طيب .. بكرة رمضان .. جيب معاك حليب” .. عندها تضطر للتعامل مع الحقيقة .. إنه شهر رمضان ..

تصحو في اليوم التالي والمطارق تضرب رأسك .. نقص الكافيين والنيكوتين يفعل فيك فعله .. وسهر البارحة لا يزيد الأمر إلا سوءاً .. تلعن الدوام الذي أيقظك باكراً وتطلق سبةً بذيئة .. ثم تتذكر أنك في الشهر الفضيل .. “اللهم إني صائم” .. تقولها وتنطلق بسيارتك في الشوارع الخالية .. فتدرك أنك وحيدٌ تماما كـ”عزوز القايلة” .. وأن الشعب دخل في سبات من اليوم الأول .. وأن مؤذن صلاة العصر ينادي “الصلاة خير من النوم” .. وأنك في ليبيا الصائمة ..

يتلقفك اليوم يميناً ويساراً .. وبين خمول الأعمال وأعمال الخمول .. تضيع الساعات هائمة دون هدف .. تقتنص من اليوم ما أمكن من القرآن والصلاة والـ”هداريز” المتقطعة مع هذا وذاك في زحام المحلًات .. ولا تأتي ساعة المغرب السعيدة ..

مع العصر تخرج من المدينة أفواج من “المحششين” باتجاه الضواحي كالأبيار وقمينس وتوكرة بحثاً عن “خبزة تنور” وبعض اللبن .. وحرقاً لساعات نهارٍ طويلٍ قائظ .. تشتكي الحر في تململ .. ثم تبتلع لسانك عندما تتذكر رمضان العام الماضي الخالي من الكهرباء والتكييف .. “الحمدلله” .. تقول في اقتناع ..

حسناً .. عرفنا أن للكنافة طابعاً رائقاً لا يضاهيه شيء .. برغم أنها كائن مارق جاء من وراء حدود الوطن الليبي .. لذا تضطر للمزاحمة في محلٍ ما ليبيعك إياها نيئةً أو جاهزة ..  ويا حبذا لو كان من يقدمها شامي اللون واللسان .. “لك أهلين إستاااز” .. كالعادة تخرج من المحل محتضناً طبقاً يكفي لإطعام الجيش العثماني بأسره .. وتنطلق باتجاه البيت ..

تجربة قيادة السيارة على الطرقات الليبية في الساعة السابقة لأذان المغرب هي تجربة خطيرة وفريدة ولا تخلو من الإثارة ونشوة الأدرينالين المعروفة .. في ظل انخفاض حاد للسكر في الدم يقل مستوى التركيز إلى أدنى حدوده .. وفي حين يحاول بنكرياس المواطن تعويض النقص دون جدوى .. يدخل الجميع في السباق الشهير بـ”سباق الشربة” .. سباق محموم وغير مبرر هدفه الوصول إلى نقطة الإفطار قبل موعد الأذان .. ورغم محاولة البعض تخفيف هذه العادة بتوزيع التمور على السائقين ساعة الأذان .. إلا أنها ظلت عادة ليبية حمقاء بامتياز ..

للحوادث ساعتها حكاية أخرى ..

أجواء المنزل قبل ساعة الإفطار تخبرك دائماً بأن الدنيا بخير .. المكان النظيف الهاديء .. ورائحة الطعام العنيدة .. تطلق السلام ومعه السؤال اليومي العتيد .. “شن فطورنا اليوم؟؟” .. تماماً كضابط وقح .. ثم تنظر إلى نساء البيت – سواءًا كنت متزوجاً أم لا – فترى في وجوههن ساعاتٍ طويلة قضينها في العجن واللف والطبخ .. فتخجل من سؤالك .. وتلجأ إلى المجاملة ..

تلك الدقائق القليلة قبل الأذان .. حين يكون الصيام في قمته .. تطفو الروح خارج الحدود الرخيصة للجسد .. وتستحيل الحياة فكرةً لا يفسرها إلا إيمانٌ بالخالق جلّ وعلا .. ويصير الصفاء عنوان كل شيء ..

تتهادى خطاك في باحة المسجد .. يفترش الأطفال الحصير ويوزعون عليه حبات التمر وأكواب الحليب في عناية .. على الطرف الأيمن يجلس عجوزان على عتبة مرتفعة نسبياً .. ويتقاسمان حبات تمرٍ على منديل بينهما .. في حين تسمع أحدهم يقول كالعادة .. “تهيالي الجامع الي حذانا أذّن!!” ..

*******

الله أكبر ..

*******

تنتهي من إفطارك بأسرع مما توقعت ..

ثم تجلس في ذلك الركن الرطب .. كوب ماء نصف بارد وفنجان قهوة فاجر الرائحة .. وكتاب قديم ..

هنا تنتهي الملذات ..

رمضان كريم

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

بلا أخــلاق ..

تعالوا هنا واجلسوا على “الطنافس” واستمعوا .. فالليلة سأقول أشياء لا تهم أحداً .. لعلي أكون مختلفاً ..

اهجروا كل شيء وتعالوا هنا لنتحدث سوية .. وهي – لعمري – فرصة جيدة للابتعاد عن عذابات الطرق المكتظة بكل شيء .. قد يكون كلامي مملاً ولكن الزحام يظل أكثر إملالاً بامتياز .. اللهم إلا لو كنت من الأوغاد الذين يقضون النهار في غسل سياراتهم ليزاحموا بها العائلات في الليل .. لكن هذه قصة أخرى ..

أعلموكم في مدارسكم أن الأمم الأخلاق ما بقيت؟ وأنهم إن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا؟ .. أنا شخصياً حفظت الدرس جيداً وسمّعته مرتين .. فرحت أمي بنباهتي .. وصفق لي الزملاء في سخرية .. أما المعلمة فقد صفعتني لأنني تفلسفت وأوضحت أن أخانا “أحمد شوقي” لم يبين إلى أين “ذهبوا” .. وأنه لا يجوز له إرسال أمة بحالها في رحلة دون تحديد الوجهة .. هكذا بكل عشوائية كرحلات طفلي “جومانجي” .. المعلمة ردّت بثقة أنه “يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره” .. حينها علمت أن شوقي كان يكسر الإشارة الحمراء .. عملاً بذات المبدأ ..

سألتها إن كان يمكن للأمم أن تذهب إلى أمريكا حينها .. فغضبت وولولت .. ووصفتني بأنني “شكارة” وهددت بأن تشي لأبي خبر صفاقتي .. فأنا – قليل الأدب – وإن اعتبرت أن أمريكا -عدو المرحلة وقتها-  بلاد تتمتع بانعدام الأخلاق حسب وصف برامج التلفزيون العام .. فإنني – وبكل وقاحة – أبديت الرغبة في زيارة تلك البلاد العجيبة لأشاهد رقصات “مايكل جاكسون” الذي كنت أظنه يسير إلى الخلف كل ليلة على أرصفة كاليفورنيا ..

“مايكل جاكسون شيطان لعين يسب في العرب .. وهو أيضاً عدو المرحلة!!!” .. قالت المعلمة ..

اضطررت كطفلٍ جبانٍ أن أرضخ بالطبع لتهديد “الأبلة” وأن ابتلع لساني قبل أن تقصه .. فأنا بسنواتي العشرة لا أملك أن أجابه إرهاب من هم أقوى مني بالمدرسة أو بالبيت .. وبحسبة سريعة عرفت أن تكرار ما يقال يبقى أفضل ألف مرة من محاولة الفهم المقرونة بالفلقة .. هنا وضع أول حجر للاستبداد الفكري على ظهري .. ومنذ ذلك اليوم صار همّ المجتمع والدولة زيادة وزن الجبل الحجري فوقي لأتعلم الذل والقهر بمهارة فائقة .. ولأتعلم أن أكرر ما يقال .. دون فهم ..

هنا مربط الفرس ..

هنا رضخ الوطن .. وهنا سيرضخ دائماً ..

*******

بعد خمسة وعشرين عاماً .. توفيت المعلمة .. وتوفي قبلها أسطورة البوب الشهير مايكل جاكسون ” اللعين عدو المرحلة” .. وبقيت أنا في ليبيا .. بلا أخلاق ..

انتهى ..

حفظ الله ليبيا

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

أمي تنتخب ..

حسناً .. ليبيا على أبواب انتخابات حسب ما هو مخطط .. بالطبع هذا يفتح في بيتنا باباً للحديث والنقاش لا نهاية له .. فالوالدة العزيزة بحماسها المعتاد لكل شيء وأي شيء، تتمعن طوال اليوم في اللافتات الملونة والمتناثرة على جنبات الطرق، وتواظب خلال جولتها اليومية على جمع عشرات المطويات الخاصة بهذا المرشح أو ذاك، محاولة اقتناص ما يمكن حفظه من شعارات أو وعود أو أسماء، مع القليل من المخابراتية الليبية العتيدة  من قبيل “هذا راجل بنت خالتك حميدة جارتنا” .. تفرش هذه المطويات والمعلومات يومياً على مائدة العشاء .. وأضطر إلى النقاش تحت تهديد الحرمان من الطعام .. بالطبع أمي الحبيبة يهمها رأي ابنها لأنه “طالع في التلفزيون كم مرة” .. وتهمل رأي رب الأسرة – والدي العزيز – بعقود خبرته الستة ومئات الكتب التي التهمها عبر السنين، والتي تشتكي هي من أنها ملأت عليها البيت وأن الرفوف لم يعد بها مكان للتحف .. طبعاً هذا حال كل امرأة ليبية بدأ الشيب يظهر على ابنها ..

 

فلنخض في الموضوع ..

من السهل دائماً الحكم برداءة التجارب الجديدة عند إغفال حقيقة أنها جديدة .. إن العادة تقضي بأن كل ما يستحدث من نجاحات في حراك الإنسانية يبدأ عند مستوى أقل مما ينتهي إليه .. وأن “الفلاحة” كلها هي في محاولة تعلم الدروس من أخطاء الآخرين ذوي التجارب المماثلة للانطلاق من أفضل نقطة ممكنة، وذلك لاختصار المسافة أو “حرق المراحل” .. كما يقول “المسكّفون” ..

توقعاتي كانت تنصب على أن تجربة الدعاية الانتخابية في ليبيا ستفتقر إلى الحنكة التقديمية أو التسويقية، من حيث طريقة التقديم والعرض وأساليب الوصول إلى الجمهور على اختلاف شرائحه .. وفعلاً .. امتلأت الشوارع بآلاف الصور لذات الشخص تقريباً .. والذي هو إما يرتدي رباط العنق .. للإيحاء بالرقي والعلم .. أو هي جلابية و لحية كثة .. وذلك للدلالة على التقوى والورع .. أو كلاهما في بعض الأحيان .. ودائماً هي تلك الابتسامة التي تحاول تقمص شخصية ملاك تعف نفسه المال العام .. يحتل النصف الأعلى من جسمه نصف اللافتة .. والكرش العظيم يشي بآلاف “قصع” المكرونة التي أهيلت في جوفه في ليالٍ كان “جمال سليمان” فيها هو مصدر التاريخ الأيوبي .. أو ربما “ليالي الحلمية” .. لا فارق هنالك ..  دعك من أن معظمهم من كبار السن الذين – مع احترامي وتقديري – جلس كل منهم على جبل من الخبرات على شاكلة “رئيس قسم الارشيف بالمحكمة العليا لمدة 28 سنة” .. تلك الخبرات الرتيبة في معظمها والتي تدفعك للتسائل عما يمكن أن يقدمه هذا المرشح المتقوقع داخل الصناديق وبين الملفات والأختام لمجتمع تعرض لصدمة غيرت مفاهيمه .. وحطمت كل قوالبه القديمة ..

كما أنه كان من المتوقع أن تظهر ضحالة التجربة السياسية الليبية بوضوح على معظم المرشحين، فتغيب البرامج والأهداف والقيم والمنطلقات التي يقف عليها المرشحون لقيادة الدولة في المرحلة المقبلة، فظل كل مترشح يتلمس حوله ما يراه من أولويات، أو بالأحرى نقاط جذب الأصوات، ليس إلا، تحسس كل منهم جزئية معينة وحاول الإيحاء للجمهور بأنه يمسك بكل خيوط اللعبة .. يذكرني هذا بقصة الأشخاص الذين أدخلوا إلى غرفة مظلمة بها فيل، فتعرفوا على كل شيء فيه إلا أنه فيل .. غاب البرنامج الوطني المحدد والواضح غياباً فادحاً، وظهر محله عدد لا بأس به من المرشحين الذين ألصقوا صورهم على الجانب الأيسر من اللافتة وإلى جانبها كلمات أو عبارات فضفاضة على شاكلة “قانون .. دستور .. دماء الشهداء .. اقتصاد .. من أجل الوطن .. الخ” .. وضع يعطيك إحساساً بأنها كتبت لكي لا يسمح لفراغ اللافتة أن “يمشي بلاش” .. فقط لا غير .. دون مفهوم حقيقي لما تعنيه هذه الشعارات ..

أما البرامج التي قدمها البقية فقد بدا معظمها واسعاً وغير واقعي، وتلخص في أن يأتي المرشح بالمشكلة التي يواجهها الشعب الليبي ثم يسبقها بشيء من قبيل “القضاء على” .. هكذا يصير البرنامج الانتخابي هو “القضاء على المركزية” .. أو “مكافحة الفساد” .. أو “محاربة الجريمة” .. هكذا وبكل بساطة .. وكأن عصا موسى جاهزة للاستعمال ، وأنه أول من فكر في استعمالها .. دون حاجة لآليات عمل للقيام بهذه المهام الجسيمة ..

كل هذا متوقع .. وطبيعي جداً .. ولا يخدش تجربتنا الديمقراطية الوليدة بأي شكل كان ..

غير أن المفاجأة المؤسفة والمؤلمة في ذات الوقت، هي أن يتاجر بعض من تقدموا لقيادة الوطن بالوطن .. هي أن يتمنن البعض بما قدموه من فتات لوطن ولد من بين أشلاء أبناءه .. وأن يعلنوا بكل صفاقة أنهم ذات يوم .. في ساعة يعلمها الله .. قدموا للوطن ما توجب عليهم تقديمه .. هو رياء ومزايدات لا مطلب من ورائها إلا كرسي سلطة ستفنى ذات يوم .. فمن مرشح ذكر بدعايته أنه “شارك في القتال بجبهة كذا وكذا” .. إلى مرشحة أصيب ابنها في جبهة كذا .. إلى مرشح كان يساهم بأعمال الإغاثة فترة الأحداث .. ومرشح كان يتواصل مع مواقع المعارضة في السابق .. وقس على هذا الكلام الصديء حتى تصل إلى مرشحة ذكرت في دعايتها أنها كانت “اطيّب في مبطن للتوار” !!!!! .. ترهات تتكوم فوق بعضها .. وتفوح منها رائحة تثير الاشمئزاز ..

الأمر يدعوك للتفكير في أولويات الاختيار وتحديد الأصلح .. وفي ذهنية الفاتورة التي قدمها البعض لليبيا مقابل ما قدموه من “خدمات” ..  فلو كان أفضل المرشحين أكثرهم تقديماً للوطن، فإنني ادعو لإقامة المؤتمر الوطني العام القادم .. في المقبرة ..

حفظ الله ليبيا

ملاحظة: الوالدة لم يعجبها كلامي .. يبدو أنها ليلة بدون عشاء ..

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

 

لله يا مجلسيين !

إذاً .. انعقد المجلس على “كراسي عقله” .. ورتب الأولويات على سلم مقلوب .. فرأى بلداً اكتمل أمنه ومستشفياته ومطاراته وطرقه .. ونزعت ألغامه وشفي جرحاه ورجع نازحوه .. ورأى شعباً ناله من الشرف ما ناله .. فقرر إشعال حرائق الفساد والحسّاد هنا وهناك .. وقرر أن التأزم الحالي لا يكفي .. وأن الوطن ليس سوى فرصة وجب اغتنامها قبل الضياع ..

كان الجميع يتوقع للمجلس أداءًا متذبذباً ومتخبطاً بعد تحرير البلاد واختلاط حابل الفخامة بنابل البطانة المستنفعة بمحيط قصور الضيافة .. إلا أن أحداً لم يتوقع أن يتسم هذا الأداء بالحمق والرعونة المفرطين .. واللتين ظهرت باكورتهما في هواية توزيع المال العام يميناً ويساراً على أي شيء وكل شيء إلا التنمية .. مليارات سكبها المجلس في مجارير الاستهلاك المباشر والتضخم المفرط الذي لا يتحمله المواطن العادي .. والله أعلم بما وراء القصد ..

بالطبع السيناريوهات المفترضة كثيرة جداً .. تبدأ عند افتراض سذاجة أعضاء المجلس وجهلهم بفقه الأولويات وأساسيات الإدارة والتصرف .. وتنتهي بنظريات الفساد والاستنفاع .. ودعم جهات معينة دون غيرها من أموال الدولة في الوقت بدل الضائع قبل الانتخابات .. وذلك لتمكينها من الجلوس وراء عجلة القيادة في المرحلة القادمة .. كل الافتراضات مطروحة على الطاولة الليبية، والتجربة تفرض علينا افتراض سوء النوايا إلى أن يثبت العكس .. إلا أن ما لا يُختلف فيه هو أن المجلس تمكن بهذه “البعزقة” من تفتيت صف الشعب وتأليبه ضد بعضه .. وتحميل الاقتصاد الليبي الكسيح وزر تضخم لم يقترفه .. ودمر عدة مليارات في سوق الاستيراد الاستهلاكي وارتفاع الأسعار الذي يقف على أكتاف المواطن “راقد الريح” .. وبدأ في تحويل ليبيا إلى صومال أخرى .. شعب من الشحاذين .. يتسكع على شاطيء البحر ويحتسي المكياطة .. ريثما يقوم العمال الأجانب بشفط نفطنا العزيز من تحت رمال الصحراء الحارة ..

إن أولويات المرحلة الحالية واضحة وضوح الشمس في هذا الصيف القائض .. ولا تحتاج إلى الكثير من الخبرة لتحديدها رغم كل الضبابية .. والحقيقة الوحيدة هي أن إغفال هذه الأولويات الملحة لا يتم بالمصادفة المحضة .. أو بالحمق والجهل غير المتعمدين .. بل وجب أن ندرك أنه تجاهل متعمد وصريح وواضح .. وأن الأكمة تخفي أكثر مما تظهر .. وأن هذا التعجل غير المبرر في إصدار قرارات كهذه لا يملك سوى تفسير وحيد ومرعب حد البكاء .. وهو أن ليبيا هربت من القذافي لتقع في أحضان “سلّال القلوب” ..

********

 يجلس المجلس بكرشه المميز وصلعته اللامعة فوق كيس ضخم من النقود، ويستمتع بتقليد ما تبتذله المسلسلات العربية من مشهد الوالي الذي يلقي صرر الدنانير للمتملقين والشعراء والأوغاد .. أنتم ثوار .. إليكم هذه الصرة .. نعم نعم .. أنتم سجناء سابقون .. فلنجعلها صرتين .. العفو .. كله من خير النفط .. أنتم .. من أنتم ؟؟ لا يهم .. تعالوا نفرغ الكيس معاً ما دام مفتوحاً .. وما دام في الإعلان الدستوري نفس يتردد ..

 ********

ملاحظة على الهامش: مدينة بنغازي اضطرت لجمع 1.5 مليون دينار من أجل تشغيل مطارها .. بالتبرعات !!!

اللعنة !!

 حفظ الله ليبيا

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

هلوسات .. ظالمة ..

لما يطلع أمين العدل .. ويقول مافش عدل ..

ارضى بنصيبك .. وذلّك .. وامتهانك ..
ارضى بالفتات .. وأيام انتظارك ..
انسى شهدائك .. وفقدائك .. ومعاناتك ..
وخليك زي ما انتا ..
يا مواطن يا صالح ..

;

لما تبكي أم من القهر ..

لما حال الفقر يتبدل .. ويتغير .. وبرضو يقعد فقر ..
وتنزّل شهيدك ..
ويتسكر قبر .. ورا قبر ..
ويطلع حفار القبور فالح ..

;

لما تراجع شريط ثورة ..

لفوا عليها الكلاب ..
لفوا عليها الذئاب ..
والي متهني .. قعد متهني ..
وانتا تاكل في الملح .. والمالح ..

;

سكّر كتاب الأمل .. واكفر ..

بالثورة .. والثوار ..
ونعيق الغربان .. الي بدلت ريشها ..
اكفر بفبراير ..
وبيوم أغبر ضحكت فيه على نفسك وقلت “ليبيا حرة” ..
ونسيت أن ليبيا .. بلاد القهاير ..
وأن الي عالكراسي مش ساسة .. مش وطنين ..
هما ضراير .. في ضراير ..
منين حيجيبوا السياسة .. عليش حيجيبوا العدل ..
العدل للخائن .. للطالح ..
أما انتا .. مواطن مسالم ..
مواطن بدرجة رابعة ..
مواطن صالح .. صالح ..

;

;

أحمد بن موسى