الدوامة الصامتة ..

كالعادة المكررة في ليبيا .. تصر الدولة والإعلام و”الحكماء” على وضع الشعب كله في قالب واحد .. فإما أن يتظاهر مجتمعاً .. أو يسكت مجتمعاً .. وخلاف ذلك خيانة وفتنة وإثم عظيم .. تكرار ممل لنتاج فكر شمولي تشرّبه الشعب عبر عهود طويلة من الـ”ممنوع” والـ”عيب” و”رد بالك” .. إلى آخر المتوالية التي تقضي بأن الدوامة الصامتة – كما يقول علماء النفس – تفرض على المجتمع اتجاها واحداً ورأياً وحيداً .. يجرم كل من يخالفه ويتهمه بالعمالة والاندساس والخيانة، فتتحول ممارسة الحق الطبيعي في التظاهر إلى غول ضخم يحشوه الـ”حكماء” بنظريات المؤامرة والفوضى والتشكيك في صدق النوايا .. وتصبح فرضيات “ماذا لو استغلت من قبل أزلام النظام السابق؟” حقيقة مقدسة تماماً كالهولوكوست في الغرب .. لا ينكرها إلا مغامر كـ”روجيه جارودي” .. فإلى متى يستمر هذا الهذيان؟؟

إن تأخير المؤتمر الوطني في اختيار الحكومة نتيجة للصراعات السياسية التي وضعت الأحزاب قبل الوطن، ثم تلكؤه في اعتماد تسمية وزير الداخلية وما صاحبه من تجاذبات ونقاشات ولكمات داخل القاعة، أفقد ليبيا عدة أشهر شديدة الأهمية في مساعي تأمين البلاد، الأمر الذي أدى إلى انفلات أمني غير مسبوق ولم نشهد له مثيلا من قبل، مما ضاعف من صعوبة المهمة على وزارة الداخلية، والتي نسأل الله لها التوفيق ..

كما إن المخالفة الصريحة للإعلان الدستوري والتي قام بها أصحاب الكراسي في ركسوس، وذلك بقرارهم تشكيل لجنة الحوار المجتمعي المنوط بها بحث أمر مقرر أصلاً .. تدل على أن “البال رايق” .. وعلى نسيانهم حساسية الوضع الحالي في ليبيا والتي تستلزم حرق المراحل بدل مطها وإطالتها، في تضييع فادح لوقت هذا الشعب الذي ينتظر إقرار الدستور على جمر، وذلك ليبدأ فعليا في مرحلة بناء ليبيا التي يحلم بها ويتحدث عنها في كل يوم وليلة ..

إذا تناسينا ضعف أداء المؤتمر .. وما يقال وما سيقال عن أخطاءه وعن حقوق مسلوبة ومؤسسات منهوبة ومليشيات وفساد وقضاء معطل و و و و و .. فإن النقطتين السالف ذكرهما فقط تكفيان للشهادة بأن المؤتمر قد فشل في تنفيذ المهمتين الأساسيتين الموكلتين إليه وفق الجدول الزمني المنصوص عليه في الإعلان الدستوري المؤقت .. الأمر الذي فرض على الوطن أن يدفع كل يوم ثمن أخطاء المؤتمر مالاً وأعماراً ودماً يسيل كل ليلة في أزقة الوطن الخلفية ..

للمتشدقين بما “قد” يحدث وما “قد” يستغل وما “قد” يكون .. نقول إنها لهجة عفى عليه زمن من عاش عمراً يرتعد من ظل القذافي .. لقد شبع الناس – أيها السادة –  من الشعر والإنشاء وتهم الخيانة ونظريات المؤامرة التي – ككل الأوهام – ستستعمل ضدنا غداً كما نستعملها اليوم .. وكما استعملها القذافي ومبارك وما باد من أنظمة .. وواجب الدولة حماية المتظاهرين أثناء ممارستهم لحقهم المنتزع من أنياب الدكتاتوية ، وحماية أمن منشآتها ومؤسساتها من الغوغائيين والعابثين والمتنفعين .. ليظل للناس الحق في هز الأرض تحت أقدام أعضاء المؤتمر الوطني الذين نشهد تقوقعهم يوماً بعد يوم في حاضرة ركسوس وما حولها .. ليبقى الوطن رهين الأبراج العاجية دون أمن .. ولا دستور .. ولا مستقبل ..

حفظ الله ليبيا

 Ahmed Ben-Mussa

Advertisements