طول السلك يودر الإبرة ..


“طول السلك يودر الإبرة ..”

هكذا تقول القاعدة وهكذا يتكلم المنطق .. وهكذا ندرك نحن أن بلداً بدون دستور هو بلد يجلس على حافة الهاوية .. منتظراً بكل سذاجة دفعة حمقاء أو مدروسة من أحدهم .. ترسله إلى ما خلف العصور .. وهكذا نقول أن الضرورة تحتم علينا طرح سؤال شديد الإحراج والأهمية والبساطة في ذات الوقت ..

“ما هو شكل الدستور الذي نريد؟”

إن من يطرح تساؤلا كهذا على من هم حوله على اختلاف توجهاتهم الفكرية والسياسية، سيصدم بحقيقة مرة حد الفزع، وهي أن معظمنا لم يفكر حتى الآن في شكل الدستور الذي يريده لحكم ليبيا، وأن الدستور المثالي بالنسبة للأغلبية يظل هلامي المعالم والأبعاد، لا يدرك شكله ولا كنهه على وجه التحديد، فيختزل المخاض الدستوري – مرحليا على الأقل – في هوية من يضعون الدستور وتوجهاتهم (فيدراليون .. إسلاميون ..  ليبراليون .. الخ) دون نقاش فعلي ومفصل لطرحهم الدستوري ومدى صلاحيته من عدمها .. وذلك في انعكاس متوقع لطبيعة الفكر العربي المتخم بالـ”شخصنة” .. وهنا تكمن المعضلة ..

إن القاعدة العامة تقول إن الدستور في أي بلد هو عبارة عن اتفاق بين سكانه على مجموعة قواعد أساسية تحدد شكل دولتهم ونظام الحكم فيها واختصاصات سلطاتها الثلاث، كما توضح حقوق السكان وواجباتهم، وبناء عليه يتم إصدار القوانين الخاصة بكل الأمور داخل الدولة .. إلا أن هذه القاعدة تظل بقيمة الورق الذي كتبت عليه مالم تمثل فعلا التوافق المجتمعي لكل أطياف الشعب على ثوابت بعينها، توافق ينتج عن حوار عميق ومفتوح وصريح، تفتح فيه كل الملفات دون مواربة أو مجاملة أو محاباة، وتمثل فيه كل الأقليات العرقية والسياسية والسكانية والاجتماعية ..

دعوني أوضح أكثر.. إن أي حوار دستوري – سواء كان ستينياً أو مجتمعياً – يظل معيباً وغير ذي قيمة ما لم تشارك به الأقليات العرقية (الأمازيغ، التبو، القريت .. الخ)، والأقليات السياسية (الفيدراليون، السلفيون .. الخ)، والأقليات السكانية (مصطلح معيب توصف به فئتا الشباب والمرأة رغم كونهما مجتمعين يمثلان أكثر من نصف المجتمع)، والأقليات الاجتماعية (أبناء القبائل الصغيرة والفئات المستضعفة) .. و غيرها من الأقليات على أنواعها ..

المختنق الآخر هو أن الدستور يمثل عملياً عصارة وعي المجتمع بإرهاصات قضايا المواطنة والعدل والمساواة، بحث ينعكس مستوى هذا الوعي مباشرة على مواد الدستور وبنوده، وبالتالي على شكل الدولة في المرحلة اللاحقة، وذلك لكونه إفرازاً طبيعياً لهذا المجتمع صياغةً واستفتاءاً، فالمجتمعات التي تتمتع بقدر عالٍ من الثقافة والوعي تفرز بطبيعة الحال دساتير متحضرة تؤسس لبناء دولة القانون وتوفير شروط الانتقال الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة، بحيث تنشأ عنها أنظمة ديمقراطية تعددية مع تعزيز ضمانات حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في كافة المجالات: المدنية والسياسية والاقتصادية ..

وعلى الجانب الآخر تنحشر المجتمعات النامية داخل قوالب معدة سلفاً عبر عشرات السنين من الفكر الديكتاتوري، والتي نزعت متواليات المواطنة والعدل والمساواة والتسامح، وزرعت محلها سموم الأفضلية والفوقية والإقصاء، الأمر الذي يضعف إمكانية صياغة دستور يرتقي إلى مستوى الطموحات، وحتى في حال صياغة دستور مثالي شامل يحتضن كل الأطياف والتيارات الدينية والعرقية والجهوية ويضمها على أساس المواطنة، فإن احتمالات نجاته من التصويت بـ”لا” ساعة الاستفتاء تظل ضئيلة إذا اكتنز المجتمع بنعرات شتى، وافتقد إلى مفهوم التسامح وتقبل الآخر فكرياً وعرقياً وسياسياً وجهوياً .. الأمر الذي يرجع إلى الأذهان حقيقة أن الديمقراطية لا تصلح في مستشفى المجانين ..

هنا تبقى الدعوة بوضوح الشمس .. علينا أن نبدأ اليوم في تنفيذ خطة وطنية شاملة متعددة الخطوط والمسارات، تعمل من ناحية على مناقشة فقرات الاستحقاق الدستوري على كافة المستويات .. علينا أن نبدأ بأن نسأل أنفسنا هذا السؤال البديهي “ما هو شكل الدستور الذي نريد؟” .. وأن نبحث في داخلنا ومع من حولنا عن هويتنا المجتمعية التي نود تجسيدها في دستور يفتح لليبيا أبواب التقدم والازدهار .. وفي الوقت ذاته يبقى نشر قيم المواطنة والعدل والتسامح وتقبل الآخر باختلافاته، يبقى على قمة هرم الأولويات التي بدونها سنصنع نسخة مكررة ومحزنة من العراق أو الصومال أو غيرهما .. وتبقى المسؤولية على الدولة لدعم مؤسسات المجتمع المدني على اختلاف أطيافها للقيام بدورها في هذا المشروع الوطني، ولتخرج هذه المؤسسات من حالة الـ”شنطة وختم” التي التصقت بها مؤخراً ..

ولهذا الموضوع حكاية أخرى ..

حفظ الله ليبيا

Ahmed Ben-Mussaأحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

Advertisements

6 responses to “طول السلك يودر الإبرة ..

  1. هناك مبادئ اساسيه ورئيسيه يجب ان يستفتى عليها الليبيين قبل كتابة الدستور وهو شكل الدوله ونظام الحكم فيها ومصادر تشريعيعا وشكل الدوله ادرايا وايضا شكلها اقتصاديا وبنتائج هذا الاستفتاء الذى يجب ان تشرف عليه الامم المتحدة يتمكن المشرع من كتابة الدستور بقية مواد الدستور هى حقوق وواجبات اسوة بالدساتير الاخرى

  2. السلك يتعرض للإطالة والمط الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى اهتراءه، والكارثة آتية لان هذا السلك هو الذي يشد البيت إلى أوتاده، معنى ذلك أن البيت يقترب من لحظة الإنهيار على رؤوس ساكنيه، عندها ستئوب طيور الريش المتشابه إلى أوكارها في دول الصقيع، ولن يكون للوطن وأبنائه الطيبين من عزاء سوى انتظار اكتمال نضج رؤوسهم بلفح شمس الحقيقة وهي تكشف تهاوي كثير من أصنام الوهم التي استغرقوا كل هذا الوقت في الطواف حولها وتقديم حلم الوطن قرباناً لأصنام صنعتها سذاجة خطاب سياسي أو ديني غير ناضج أو غير واعً.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s