عقول في الثلاجة ..


في دول البطيخ العربي .. لأجل اللحى التي على الوجوه .. يهاجم البعض ويدافع آخرون .. فعن أي تقدم كنا نهذي طوال الوقت؟

******

إن النظر إلى حراك معظم الجمهور في كل من مصر وتونس، يبين بوضوح مستفز أن الأغلبية الساحقة تصفق أو تندد على الـ”هوية” الأيدولوجية .. وأنه لا أحد يجد من العاطفة ما يسمح له بإعمال عقله وفكره فيما يطرح السياسيون من أفكار وبرامج لمعالجة الاستحقاقات المتتالية – وما أكثرها –  في جولة أخرى من سجالات العقل والعاطفة ..  بل إن هذا الجمهور إما “إسلامي \ إخواني \ سلفي .. الخ” على طول الخط .. أو “ليبرالي \ وطني \ لا إخواني \ علماني .. الخ” على الخط ذاته .. وأن كل فريق يمجد من “يحب” ويجد له الأعذار مهما ارتكب من كوارث .. ويهاجم الآخر ويشتمه مهما قدم للوطن من تضحيات وأفكار ومشاريع .. ولا مانع من التشكيك في صدق النوايا..

إن ذهنية “عنز .. ولو طارت!!” تظل مهيمنة على الحوارات السياسية على مستوى الشارع، لتجد طريقها إلى عقول الساسة والمتحركين في فلكهم .. فتتبدل ثنائيات الموافقة والنقد بثنائيات الحب والكراهية .. توضع العقول في الثلاجة والضمائر في الدرج وتوضع البقية في ساحة قتال بأهداف يتوهمها كل طرف .. وبفتوحات وانتصارات لا تحمل رائحة المستقبل ..

لنوضح الأمر أكثر .. إن الأنظمة الديمقراطية نشأت ليكون الحكم للأغلبية بفرضية أن الأغلبية ستختار الأصلح، وليس الأقرب أو الأحب .. لذا فإن العملية الديمقراطية الحالية المصحوبة بهذا الكم من التخندق الأيدولوجي لن تؤدي بالضرورة إلى التقدم والازدهار، لأن الحاكم سيجد على الدوام أغلبية تسانده مهما قال أو فعل .. وبالتالي ترجع الأمة إلى “سيدي بوزيد” لتلتهم النيران المزيد من البشر والأفكار، ولنكتشف أن مشكلتنا في الأصل لم تكن الديكتاتورية في حد ذاتها .. بل إن الدكتاتورية هي مجرد عرض من أعراض هذه المشكلة .. وأننا أمة تعاني أزمة جهل فكري من نوع آخر .. جهل مدجج بالزهو وادعاء الحقيقة .. يسرح في شراييننا دون تقييد، يشخصن الأفكار والأقوال والأفعال، ويستحيل معه الحكم العقلاني على شؤون الأمة وهمومها .. وأن إقامة العملية الديمقراطية من انتخابات وغيرها لا تحل المشكلة ما دمنا نرضع مهارات التعنت والانحياز العاطفي منذ الطفولة .. وكما يقول السيد محمد تقي المدرسي في كتابه (العمل الإسلامي):

“الديكتاتورية لا تبدأ من الديكتاتور، وإنما من المجتمع الذي يسمح لنفسه بأن لا يريد .. بأن لا يختار .. بأن يكون عبد غيره وقد خلقه الله حراً .. ولا يمارس أفضل وأحسن وأعلى وأهم نعمة أنعمها الله عليه وهي نعمة الإرادة ونعمة الحرية” ..

وإذا أسقطنا عوامل الثقافة والتاريخ والجغرافيا من كل من مصر وتونس على ليبيا، وأضفنا بهارات المناطقية والقبلية والنفط وانتشار السلاح، فإن المشهد القادم يكون ظلاميا إلى حد مرعب .. فينتقل الوطن من (ديكتاتورية الفرد) إلى (ديكتاتورية الجماعة) التي حذر منها فلاسفة السياسة وإن كانت كلمة حق أريد بها باطل شيوعي وقتها..

ولنتجنب الوقوع في مصيدة التنظير، فإنه يتوجب القول أنه لا خيار لدينا سوى التجربة، وذلك من منطلق أن الطريقة الوحيدة لتعلم السباحة هي محاولة السباحة فعلا .. ورغم صعوبة إحداث تغييرات اجتماعية وثقافية جذرية في أي مجتمع بين ليلة وضحاها، إلا أنه يتوجب علينا جميعا أن نمشي الخطوة الأولى .. ونحاول ممارسة التسامح وتقبل الرأي الآخر بشكل يومي .. في الأفق السياسي والثقافي والاجتماعي .. وعلى مستوى الأسرة والمدرسة والحزب .. لعلنا نمر من تحت النار دونما احتراق .. ولنتمكن في مرحلة ما من الحكم على الأمور من منطلقات العقل والمنطق .. ولنستطيع النظر إلى مصلحة الوطن بعينين صحيحتين .. ودون أن نلبس نظارة حزب أو تيار بعينه .. وليأتي اليوم الذي نسمع فيه الحقيقة كاملة .. بدل أن نسمع فقط ما نريد سماعه .. وفهمه ..

*******

يحكى أن أجدادنا قديما كانوا يقومون يوم التاسع والعشرين من شعبان بزيارة وادي “زازا” الوقع شرقي بنغازي ليسألوه عما إذا كان اليوم التالي أول أيام شهر رمضان أم لا .. وحكى لي جدي أن بعضهم كان يعيد صياغة السؤال ليسمع الجواب الذي يريده .. فيصيح: “يا وادي زازا .. نصيموا والا لا لا ؟” .. فيجيبه الصدى: “لا لا .. لا لا .. لا لا ..”

أفهمنا اللعبة الآن؟

 Ben-Mussa02

حفظ الله ليبيا

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

Advertisements

10 responses to “عقول في الثلاجة ..

  1. اذا ما الما نع من اندع السلطة لطلابها وتلتفت النخبة للشعب لتوعيته بمخاطر ما سيأتى ؟؟ ما المانع من الاصلاح والارشاد والتنوير الا اذا ارات النخبة في المجتمع والتي ينبغي عليها ان لا تخوض في السلطة اقول الا اذا ارادت الولوج في خضم الشغف الواضح للعيان لطلاب الكراسي في الوطن الكئيب.

    • معاك في الرأي للاننا للاسف شعوب تعودت على القادة و الانقياد فالشعوب تضيع بدون القائد الاوحد الذي يرعى مصالحها و يسهل عليها القيام بالاختيار بان يقوم بالاختيار بدلا عنها ,,, كثرة الخيارات الان هي ما اربك الشارع الغير معتاد على كل هذه الحرية فاصبحت الحرية عبئ عليه اكثر منه وسيلة لتحقيق حياة افضل

  2. ثقافة توارثناها على مدى عقود من الزمن من الصعب توقع تغييرها في يوم وليلة.. في سنة أو اثنتين.. كما المخاض، ألم رهيب بكاء وصياح يتبعه راحة وفرح وسرور.. المهم أن نسير، أن نسعى..

    بورك قلمك..

  3. اخيرا مقالة من كاتبنا المبدع المرجو الاستمرار فكتاباتك من النوع الي يمسح عالقلب.
    .. وأننا أمة تعاني أزمة جهل فكري من نوع آخر .. جهل مدجج بالزهو وادعاء الحقيقة .. يسرح في شراييننا دون تقييد، يشخصن الأفكار والأقوال والأفعال، ويستحيل معه الحكم العقلاني على شؤون الأمة وهمومها .. صح قلمك !! هذا حالنا و في البلدان العربية فقط “دوام الحال ..ليس من المحال”

  4. المشكلة مشكلة ثقافة. شعوبنا لا تحب المطالعة أو التدبر في الأمور. تستقي المعلومات من الشائعات و تنساق بسهولة للخطاب العاطفي .
    لاحظ أن الديمقراطية في الدول الأفريقية أو بعض الآسيوية و الأمريكية اللاتينية لم تقدم الازدهار عند انعدام الثقافة و نتسار الأمية ولكن عند شعوب أوروبا الشرقية التي تتمتع بمستويات تعليم و ثقافة عالية وصلت هذه الدول إلى مراتب عالية من الازدهار الاقتصادي و توفير مستوى معيشة عالي نسبيا لمواطنيها

  5. (أبوس أفكارك) .. هكذا أعبر عن توافقي التام مع ما سردت .. أأكون ممن يمجدون من يحبون؟!! عموماً أحسنت أحسنت وبارك الله لك في عمرك وصحتك .. بوركت .

  6. ربما نحتاج إلى تبييض افكارنا!
    عقولنا (وانا واحد من الناس طبعًا!) مليئة بالأفكار المُشوِشة والتي تعطي الأحكام على التيارات السياسية مسبقًا!
    يستر الله…!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s