بنغازي .. ولحظات الحقيقة ..

طفح الكيل في بنغازي وطفحت معه إرادة سكان مدينة كانت يوما بأمان البقاع المقدسة .. وصار المواطن يسلب كل يوم إحساسا بالأمان لم ولن يستطيع العيش دونه .. وضربت الدولة على قفاها ككل مرة .. لتظهر بحل يتكون من غرفة أمنية وتصريحين وبعض الوعود التي لا تمتد إلا بامتداد ذاكرة الشارع الشديدة القصر .. فهل نتعلم من أخطائنا؟

في كل مرة يضاجع بعضهم حق المواطن في عيش آمن على هذه السبخة البائسة الحنون .. تثور عاصفة من التكهنات والشائعات والاتهامات المتبادلة حول من يقف خلف هذه الأحداث .. فتلقى رصاصات الاتهام باتجاه المجرمين وتجار المخدرات تارة وباتجاه الإسلاميين تارات .. وفي كل مناسبة تكون شماعة الأزلام كبيرة بحجم الوطن .. فتكفي لتغطية كل عوراتنا وسوءاتنا .. لتريح الضمائر من عناء البحث عن الحقيقة .. في حين تقف الدولة كالعادة في صمت لا يعرف ما وراءه .. فتكتفي بمقتضب التصريحات التي تخبر الناس أن التحقيقات جارية .. وأن الصبر مفتاح الفرج ..

هنا – أيها السادة – نرى الحقيقة عارية – كما تقول الكاتبة (آن لاندرس) – ودون تجميل .. وهي أن “طبيخة” تعيين وزير الداخلية التي حركها آلهة النزاهة والشفافية الذين تشبعوا بالوطنية إلى حد التخمة، قد أثرت وبشكل مباشر على أمن واستقرار الوطن الليبي بشكل عام وعلى بنغازي بشكل خاص .. طبيخة امتزج طعمها بدم أبناء المدينة وبارتجاج هيبة الدولة من خلالهم .. وتأخيرتنقصه البراءة والحيادية و”النزاهة” ..

إنني – كناخب – أطلب من ممثلي بنغازي في المؤتمر الوطني العام الرجوع فوراً إلى المدينة الجريح .. وعدم مغادرتها إلا بعد عمل الآتي:

–          إعلان أعلى درجات الاستنفار للقوات المسلحة بالتعاون مع رئاسة الأركان

–          إعلان حالة الطواريء و حظر التجول الليلي في المدينة بالتعاون مع المجلس المحلي ورئاسة الأركان والداخلية

–          الضغط على الداخلية للكشف عن نتائج التحقيقات والقبض على كل من تشير إليه أصابع الاتهام دون أي محاباة أو مهادنة

–          إعداد وتنفيذ خطة طويلة الأمد لتأمين المدينة بالتعاون مع الداخلية والأركان، بدل الخطط والغرف الأمنية التي لا تتجاوز مددها عدة أيام في أفضل الأحوال

–          الكشف عن الحقيقة للشارع وإطلاعه على سير التحقيقات وخطة تأمين المدينة، ووضع إصبع المواطن على الحقيقة مهما كان قبحها وبشاعتها ..

إنكم أيها السادة ، تتحملون المسؤولية أمام الشارع البنغازي أكثر مما يتحملها المجلس المحلي العاجز عن فعل أي شيء، فتركيبة الدولة تضعكم أقرب إلى مراكز صنع القرار وتنفيذه، وتسمح لكم بفعل ما لا يستطيع غيركم فعله، تدابير إن لم تتخذوها فلن يحملها عنكم أحد .. وستظل كل دقيقة رعب في الشارع بحجم أيام وأسابيع من الندم الانتخابي القرمزي اللون .. وبحجم كراسي تطير بأصحابها خارج دوائر ركسوس  والذاكرة البنغازية ..

أيها السادة .. إن نزيف الوطن أكثر ألما من جرح الجسد .. بنغازي الحنونة اليوم في أضعف وأهون حالاتها .. تشتكي بصوت لا يكاد يسمع .. من عدو لا يكاد يرى .. أفلا تلتفتون إليها ؟؟

حفظ الله بنغازي .. حفظ الله ليبيا

 Ahmed Ben-Mussa

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

Advertisements

عقول في الثلاجة ..

في دول البطيخ العربي .. لأجل اللحى التي على الوجوه .. يهاجم البعض ويدافع آخرون .. فعن أي تقدم كنا نهذي طوال الوقت؟

******

إن النظر إلى حراك معظم الجمهور في كل من مصر وتونس، يبين بوضوح مستفز أن الأغلبية الساحقة تصفق أو تندد على الـ”هوية” الأيدولوجية .. وأنه لا أحد يجد من العاطفة ما يسمح له بإعمال عقله وفكره فيما يطرح السياسيون من أفكار وبرامج لمعالجة الاستحقاقات المتتالية – وما أكثرها –  في جولة أخرى من سجالات العقل والعاطفة ..  بل إن هذا الجمهور إما “إسلامي \ إخواني \ سلفي .. الخ” على طول الخط .. أو “ليبرالي \ وطني \ لا إخواني \ علماني .. الخ” على الخط ذاته .. وأن كل فريق يمجد من “يحب” ويجد له الأعذار مهما ارتكب من كوارث .. ويهاجم الآخر ويشتمه مهما قدم للوطن من تضحيات وأفكار ومشاريع .. ولا مانع من التشكيك في صدق النوايا..

إن ذهنية “عنز .. ولو طارت!!” تظل مهيمنة على الحوارات السياسية على مستوى الشارع، لتجد طريقها إلى عقول الساسة والمتحركين في فلكهم .. فتتبدل ثنائيات الموافقة والنقد بثنائيات الحب والكراهية .. توضع العقول في الثلاجة والضمائر في الدرج وتوضع البقية في ساحة قتال بأهداف يتوهمها كل طرف .. وبفتوحات وانتصارات لا تحمل رائحة المستقبل ..

لنوضح الأمر أكثر .. إن الأنظمة الديمقراطية نشأت ليكون الحكم للأغلبية بفرضية أن الأغلبية ستختار الأصلح، وليس الأقرب أو الأحب .. لذا فإن العملية الديمقراطية الحالية المصحوبة بهذا الكم من التخندق الأيدولوجي لن تؤدي بالضرورة إلى التقدم والازدهار، لأن الحاكم سيجد على الدوام أغلبية تسانده مهما قال أو فعل .. وبالتالي ترجع الأمة إلى “سيدي بوزيد” لتلتهم النيران المزيد من البشر والأفكار، ولنكتشف أن مشكلتنا في الأصل لم تكن الديكتاتورية في حد ذاتها .. بل إن الدكتاتورية هي مجرد عرض من أعراض هذه المشكلة .. وأننا أمة تعاني أزمة جهل فكري من نوع آخر .. جهل مدجج بالزهو وادعاء الحقيقة .. يسرح في شراييننا دون تقييد، يشخصن الأفكار والأقوال والأفعال، ويستحيل معه الحكم العقلاني على شؤون الأمة وهمومها .. وأن إقامة العملية الديمقراطية من انتخابات وغيرها لا تحل المشكلة ما دمنا نرضع مهارات التعنت والانحياز العاطفي منذ الطفولة .. وكما يقول السيد محمد تقي المدرسي في كتابه (العمل الإسلامي):

“الديكتاتورية لا تبدأ من الديكتاتور، وإنما من المجتمع الذي يسمح لنفسه بأن لا يريد .. بأن لا يختار .. بأن يكون عبد غيره وقد خلقه الله حراً .. ولا يمارس أفضل وأحسن وأعلى وأهم نعمة أنعمها الله عليه وهي نعمة الإرادة ونعمة الحرية” ..

وإذا أسقطنا عوامل الثقافة والتاريخ والجغرافيا من كل من مصر وتونس على ليبيا، وأضفنا بهارات المناطقية والقبلية والنفط وانتشار السلاح، فإن المشهد القادم يكون ظلاميا إلى حد مرعب .. فينتقل الوطن من (ديكتاتورية الفرد) إلى (ديكتاتورية الجماعة) التي حذر منها فلاسفة السياسة وإن كانت كلمة حق أريد بها باطل شيوعي وقتها..

ولنتجنب الوقوع في مصيدة التنظير، فإنه يتوجب القول أنه لا خيار لدينا سوى التجربة، وذلك من منطلق أن الطريقة الوحيدة لتعلم السباحة هي محاولة السباحة فعلا .. ورغم صعوبة إحداث تغييرات اجتماعية وثقافية جذرية في أي مجتمع بين ليلة وضحاها، إلا أنه يتوجب علينا جميعا أن نمشي الخطوة الأولى .. ونحاول ممارسة التسامح وتقبل الرأي الآخر بشكل يومي .. في الأفق السياسي والثقافي والاجتماعي .. وعلى مستوى الأسرة والمدرسة والحزب .. لعلنا نمر من تحت النار دونما احتراق .. ولنتمكن في مرحلة ما من الحكم على الأمور من منطلقات العقل والمنطق .. ولنستطيع النظر إلى مصلحة الوطن بعينين صحيحتين .. ودون أن نلبس نظارة حزب أو تيار بعينه .. وليأتي اليوم الذي نسمع فيه الحقيقة كاملة .. بدل أن نسمع فقط ما نريد سماعه .. وفهمه ..

*******

يحكى أن أجدادنا قديما كانوا يقومون يوم التاسع والعشرين من شعبان بزيارة وادي “زازا” الوقع شرقي بنغازي ليسألوه عما إذا كان اليوم التالي أول أيام شهر رمضان أم لا .. وحكى لي جدي أن بعضهم كان يعيد صياغة السؤال ليسمع الجواب الذي يريده .. فيصيح: “يا وادي زازا .. نصيموا والا لا لا ؟” .. فيجيبه الصدى: “لا لا .. لا لا .. لا لا ..”

أفهمنا اللعبة الآن؟

 Ben-Mussa02

حفظ الله ليبيا

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa