إنتا مش فاهم شي !!

نجلس في تلك البقعة الضيقة على أعلى تبة متواضعة ..  نسميها اعتباطاً “الجبل” وكلنا درس تعريف الجبال في مادة الجغرافيا .. ساعتها قالت لنا معلمة المواد “القومية” أن هناك في العالم الآخر، تكون الجبال تماماً كما نراها في اللقطات التي تعرض مع موسيقى العود “الدينية” بعد الأذان وقبله، مصحوبة بصوت خاشع يسبح لله على قناة تكفر به لاحقاً على يدي الزعيم القائد .. تكون الجبال كما في الصورة .. شاهقة بديعة .. ولها سنم ثلجي أبيض .. عندنا نضخم الأمور كعادتنا فتتحول تلك التبة المليئة بالغبار والحصى إلى “جبل” .. وتتحول ليبيا إلى منارة تضيء الطريق أمام العالم نحو الانعتاق النهائي .. الخ

نتجاذب خيوط الكلام ونموج عبر ممرات الدنيا .. حكايات خرقاء تمتليء بالأكاذيب وبالصراخ وبالـ”طلاقات” .. يطرح فيها كل شيء ويفصّل فيها كل شيء .. يُسلخ فيها المسؤول والمواطن على طاولة واحدة .. ويخرف كل منا بما يعرف وما لا يعرف .. يمكنك هنا إلصاق ما شئت بمن شئت .. فكل ما تقوله حقائق مادام ابن عمك قد “شافها بروحه” .. يفتح شلال الأخبار فيصبح ملء ثواني الصمت بصوت الأرقيلة ترفاً ليس هذا مكانه أو وقته ..

– “هما أصلاً يبوا يقسموا البلاد .. الزبير وجماعته ..”

– “يقسموا شنو؟ فيش تخرف انتا؟ البلاد ما يقسمها حد .. بس شوي من الحنة وشوي من رطابة الإيد .. الجماعة يبو العدل”

– “يا راجل أنا جاري “فرج” حضر اجتماع متاع الفيدرالية وقاللي علي الطلاق الجماعة تغدوا بازين .. يعني يدعموا فيهم من مغرّب ..”

– ” تهيالي دوغة .. عشان قالوا حفيده واخذ بنت الزبير”

– ” ارفس !! قالك دوغة مناسب الزبير .. بعدين هذينا كلهن حركات الإخوان الي يبوا يكوشوا عالبلاد .. مش مصطفى عبدالجليل إخوان؟”

– ” اااااه إخوان .. والمقريف حتى هوا قالوا إخوان .. امالا تبي جماعتك يفتوحلنا البارات ويخلوا البنات يتراقصن في الشوارع؟ استغفر الله يا راجل”

– “ما قلناش شي بس العطيبين ياخذوا في دعم من قطر ومصر .. محمود جبريل قالها .. حتى سي امحمد قالها”

– “اي عاد انتا وسي امحمد متاعك .. محمود جبريل أصلاً متسلق وصاحب سيف وأمريكا تدعم فيه .. بعدين قالوا يبي يسكر الخلوة الي جنبنا .. وعيالي وين يحفظوا بعدين؟”

– “عيالك مش صاير منهم علي كل ريح .. تَسكر وادز في عيالك للخلوة .. وبعدين اش دخل الخلوة الي جنب حوشكم يا جاهل؟”

– “أنا جاهل يا ***** ؟؟ امشي يا نعن ***********”

هكذا تدور لقيمات الأفكار دون ترابط أو ثوابت .. ويصبح المواطن الليبي خبيراً بكافة صنوف السياسة والاقتصاد، وعليماً بكل المؤامرات السرية التي تحاك في الخفاء .. لحسن الحظ لكل مواطن ليبي جار يدعى “فرج” ..

“فرج” يعمل في كل المؤسسات ..

“فرج” يعرف البوادي والحضور والشراقة والغرابة .. والفزازنة أيضاً ..

“فرج” ينفث النار من فمه ويحضر كل الاجتماعات واللقاءات السرية .. ويخبرك دائماً بمكنوناتها ..

نحن كليبيين تلقينا تربية صماء عنيدة .. لا تتقبل النقاش ولا تمارسه .. لديها مُسلّماتها ومحرماتها الكثيرة .. تربية تتمحور دائماً حول الـ(أنا) .. الأنا الشخصية والأنا الفكرية والجهوية والقبلية .. أنا تربت “عالعز” حتى تورّمت .. ولم تعد تتلمس حولها سواها .. ولم تعد قابلة للاعتراف بوجود (أنوات) أخرى داخل سفينة نوح الليبية المزدحمة ..

بفضل كل هذا وأكثر، يصبح الوطن قماشاً يفصله كل منا على قدر عوراته ورغبته في سترها .. أو كشفها .. ويصبح كل منا العالم الوحيد بما يصلح لهذه البقعة التعيسة من الصحراء المزاحمة لمياه المتوسط .. لا حوار ولا نقاش ولا جدال يصلح هنا .. ولا دواعي لتضييع وقتنا الثمين في محطات “قولّي ونقولّك” التي لا تنتهي .. فالمجلس لوحده يفهم كل شيء .. دون دفع من أحد .. والإخوان وحدهم يفهمون كل شيء .. وكذلك نسخة الليبرالية الليبية الخجولة المدعوّة “الإسلام الوسطي” .. بالإضافة إلى السلفيين و الناصريين والقوميين وأنصار الشريعة .. وست ملايين خبير سياسي اقتصادي اجتماعي عسكري .. يضمحل المشروع الوطني وسط عاصفة من التشكيك والتخوين والعجاج .. ويصير الزعيق والنعيق لغة للحوار .. وتصير الخيانة والعمالة والأجندية تهماً معلبةً جاهزة للالتصاق بالخصوم عند أول اختلاف .. ويصبح الشرف تحت الأقدام مطية .. للعبور إلى كراسي السلطة .. وكله لأجل ليبيا أفضل ..

************

“أصلك انتا مش فاهم شي !!” .. صرخ المحرر حين عرضت عليه المقال ..

حفظ الله ليبيا

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

Advertisements

رمضانيــــــات ..

ككل مرة يباغتك شهر رمضان دون أن تنتبه ..هكذا ودون مقدمات .. تكون غارقاً في مشاغلك الاعتيادية وعاداتك السيئة .. فتأتيك مكالمة الوالدة العزيزة بعد صلاة العشاء مبشرةً : “كل سنة وانت طيب .. بكرة رمضان .. جيب معاك حليب” .. عندها تضطر للتعامل مع الحقيقة .. إنه شهر رمضان ..

تصحو في اليوم التالي والمطارق تضرب رأسك .. نقص الكافيين والنيكوتين يفعل فيك فعله .. وسهر البارحة لا يزيد الأمر إلا سوءاً .. تلعن الدوام الذي أيقظك باكراً وتطلق سبةً بذيئة .. ثم تتذكر أنك في الشهر الفضيل .. “اللهم إني صائم” .. تقولها وتنطلق بسيارتك في الشوارع الخالية .. فتدرك أنك وحيدٌ تماما كـ”عزوز القايلة” .. وأن الشعب دخل في سبات من اليوم الأول .. وأن مؤذن صلاة العصر ينادي “الصلاة خير من النوم” .. وأنك في ليبيا الصائمة ..

يتلقفك اليوم يميناً ويساراً .. وبين خمول الأعمال وأعمال الخمول .. تضيع الساعات هائمة دون هدف .. تقتنص من اليوم ما أمكن من القرآن والصلاة والـ”هداريز” المتقطعة مع هذا وذاك في زحام المحلًات .. ولا تأتي ساعة المغرب السعيدة ..

مع العصر تخرج من المدينة أفواج من “المحششين” باتجاه الضواحي كالأبيار وقمينس وتوكرة بحثاً عن “خبزة تنور” وبعض اللبن .. وحرقاً لساعات نهارٍ طويلٍ قائظ .. تشتكي الحر في تململ .. ثم تبتلع لسانك عندما تتذكر رمضان العام الماضي الخالي من الكهرباء والتكييف .. “الحمدلله” .. تقول في اقتناع ..

حسناً .. عرفنا أن للكنافة طابعاً رائقاً لا يضاهيه شيء .. برغم أنها كائن مارق جاء من وراء حدود الوطن الليبي .. لذا تضطر للمزاحمة في محلٍ ما ليبيعك إياها نيئةً أو جاهزة ..  ويا حبذا لو كان من يقدمها شامي اللون واللسان .. “لك أهلين إستاااز” .. كالعادة تخرج من المحل محتضناً طبقاً يكفي لإطعام الجيش العثماني بأسره .. وتنطلق باتجاه البيت ..

تجربة قيادة السيارة على الطرقات الليبية في الساعة السابقة لأذان المغرب هي تجربة خطيرة وفريدة ولا تخلو من الإثارة ونشوة الأدرينالين المعروفة .. في ظل انخفاض حاد للسكر في الدم يقل مستوى التركيز إلى أدنى حدوده .. وفي حين يحاول بنكرياس المواطن تعويض النقص دون جدوى .. يدخل الجميع في السباق الشهير بـ”سباق الشربة” .. سباق محموم وغير مبرر هدفه الوصول إلى نقطة الإفطار قبل موعد الأذان .. ورغم محاولة البعض تخفيف هذه العادة بتوزيع التمور على السائقين ساعة الأذان .. إلا أنها ظلت عادة ليبية حمقاء بامتياز ..

للحوادث ساعتها حكاية أخرى ..

أجواء المنزل قبل ساعة الإفطار تخبرك دائماً بأن الدنيا بخير .. المكان النظيف الهاديء .. ورائحة الطعام العنيدة .. تطلق السلام ومعه السؤال اليومي العتيد .. “شن فطورنا اليوم؟؟” .. تماماً كضابط وقح .. ثم تنظر إلى نساء البيت – سواءًا كنت متزوجاً أم لا – فترى في وجوههن ساعاتٍ طويلة قضينها في العجن واللف والطبخ .. فتخجل من سؤالك .. وتلجأ إلى المجاملة ..

تلك الدقائق القليلة قبل الأذان .. حين يكون الصيام في قمته .. تطفو الروح خارج الحدود الرخيصة للجسد .. وتستحيل الحياة فكرةً لا يفسرها إلا إيمانٌ بالخالق جلّ وعلا .. ويصير الصفاء عنوان كل شيء ..

تتهادى خطاك في باحة المسجد .. يفترش الأطفال الحصير ويوزعون عليه حبات التمر وأكواب الحليب في عناية .. على الطرف الأيمن يجلس عجوزان على عتبة مرتفعة نسبياً .. ويتقاسمان حبات تمرٍ على منديل بينهما .. في حين تسمع أحدهم يقول كالعادة .. “تهيالي الجامع الي حذانا أذّن!!” ..

*******

الله أكبر ..

*******

تنتهي من إفطارك بأسرع مما توقعت ..

ثم تجلس في ذلك الركن الرطب .. كوب ماء نصف بارد وفنجان قهوة فاجر الرائحة .. وكتاب قديم ..

هنا تنتهي الملذات ..

رمضان كريم

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa