بلا أخــلاق ..

تعالوا هنا واجلسوا على “الطنافس” واستمعوا .. فالليلة سأقول أشياء لا تهم أحداً .. لعلي أكون مختلفاً ..

اهجروا كل شيء وتعالوا هنا لنتحدث سوية .. وهي – لعمري – فرصة جيدة للابتعاد عن عذابات الطرق المكتظة بكل شيء .. قد يكون كلامي مملاً ولكن الزحام يظل أكثر إملالاً بامتياز .. اللهم إلا لو كنت من الأوغاد الذين يقضون النهار في غسل سياراتهم ليزاحموا بها العائلات في الليل .. لكن هذه قصة أخرى ..

أعلموكم في مدارسكم أن الأمم الأخلاق ما بقيت؟ وأنهم إن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا؟ .. أنا شخصياً حفظت الدرس جيداً وسمّعته مرتين .. فرحت أمي بنباهتي .. وصفق لي الزملاء في سخرية .. أما المعلمة فقد صفعتني لأنني تفلسفت وأوضحت أن أخانا “أحمد شوقي” لم يبين إلى أين “ذهبوا” .. وأنه لا يجوز له إرسال أمة بحالها في رحلة دون تحديد الوجهة .. هكذا بكل عشوائية كرحلات طفلي “جومانجي” .. المعلمة ردّت بثقة أنه “يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره” .. حينها علمت أن شوقي كان يكسر الإشارة الحمراء .. عملاً بذات المبدأ ..

سألتها إن كان يمكن للأمم أن تذهب إلى أمريكا حينها .. فغضبت وولولت .. ووصفتني بأنني “شكارة” وهددت بأن تشي لأبي خبر صفاقتي .. فأنا – قليل الأدب – وإن اعتبرت أن أمريكا -عدو المرحلة وقتها-  بلاد تتمتع بانعدام الأخلاق حسب وصف برامج التلفزيون العام .. فإنني – وبكل وقاحة – أبديت الرغبة في زيارة تلك البلاد العجيبة لأشاهد رقصات “مايكل جاكسون” الذي كنت أظنه يسير إلى الخلف كل ليلة على أرصفة كاليفورنيا ..

“مايكل جاكسون شيطان لعين يسب في العرب .. وهو أيضاً عدو المرحلة!!!” .. قالت المعلمة ..

اضطررت كطفلٍ جبانٍ أن أرضخ بالطبع لتهديد “الأبلة” وأن ابتلع لساني قبل أن تقصه .. فأنا بسنواتي العشرة لا أملك أن أجابه إرهاب من هم أقوى مني بالمدرسة أو بالبيت .. وبحسبة سريعة عرفت أن تكرار ما يقال يبقى أفضل ألف مرة من محاولة الفهم المقرونة بالفلقة .. هنا وضع أول حجر للاستبداد الفكري على ظهري .. ومنذ ذلك اليوم صار همّ المجتمع والدولة زيادة وزن الجبل الحجري فوقي لأتعلم الذل والقهر بمهارة فائقة .. ولأتعلم أن أكرر ما يقال .. دون فهم ..

هنا مربط الفرس ..

هنا رضخ الوطن .. وهنا سيرضخ دائماً ..

*******

بعد خمسة وعشرين عاماً .. توفيت المعلمة .. وتوفي قبلها أسطورة البوب الشهير مايكل جاكسون ” اللعين عدو المرحلة” .. وبقيت أنا في ليبيا .. بلا أخلاق ..

انتهى ..

حفظ الله ليبيا

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

Advertisements