أمي تنتخب ..

حسناً .. ليبيا على أبواب انتخابات حسب ما هو مخطط .. بالطبع هذا يفتح في بيتنا باباً للحديث والنقاش لا نهاية له .. فالوالدة العزيزة بحماسها المعتاد لكل شيء وأي شيء، تتمعن طوال اليوم في اللافتات الملونة والمتناثرة على جنبات الطرق، وتواظب خلال جولتها اليومية على جمع عشرات المطويات الخاصة بهذا المرشح أو ذاك، محاولة اقتناص ما يمكن حفظه من شعارات أو وعود أو أسماء، مع القليل من المخابراتية الليبية العتيدة  من قبيل “هذا راجل بنت خالتك حميدة جارتنا” .. تفرش هذه المطويات والمعلومات يومياً على مائدة العشاء .. وأضطر إلى النقاش تحت تهديد الحرمان من الطعام .. بالطبع أمي الحبيبة يهمها رأي ابنها لأنه “طالع في التلفزيون كم مرة” .. وتهمل رأي رب الأسرة – والدي العزيز – بعقود خبرته الستة ومئات الكتب التي التهمها عبر السنين، والتي تشتكي هي من أنها ملأت عليها البيت وأن الرفوف لم يعد بها مكان للتحف .. طبعاً هذا حال كل امرأة ليبية بدأ الشيب يظهر على ابنها ..

 

فلنخض في الموضوع ..

من السهل دائماً الحكم برداءة التجارب الجديدة عند إغفال حقيقة أنها جديدة .. إن العادة تقضي بأن كل ما يستحدث من نجاحات في حراك الإنسانية يبدأ عند مستوى أقل مما ينتهي إليه .. وأن “الفلاحة” كلها هي في محاولة تعلم الدروس من أخطاء الآخرين ذوي التجارب المماثلة للانطلاق من أفضل نقطة ممكنة، وذلك لاختصار المسافة أو “حرق المراحل” .. كما يقول “المسكّفون” ..

توقعاتي كانت تنصب على أن تجربة الدعاية الانتخابية في ليبيا ستفتقر إلى الحنكة التقديمية أو التسويقية، من حيث طريقة التقديم والعرض وأساليب الوصول إلى الجمهور على اختلاف شرائحه .. وفعلاً .. امتلأت الشوارع بآلاف الصور لذات الشخص تقريباً .. والذي هو إما يرتدي رباط العنق .. للإيحاء بالرقي والعلم .. أو هي جلابية و لحية كثة .. وذلك للدلالة على التقوى والورع .. أو كلاهما في بعض الأحيان .. ودائماً هي تلك الابتسامة التي تحاول تقمص شخصية ملاك تعف نفسه المال العام .. يحتل النصف الأعلى من جسمه نصف اللافتة .. والكرش العظيم يشي بآلاف “قصع” المكرونة التي أهيلت في جوفه في ليالٍ كان “جمال سليمان” فيها هو مصدر التاريخ الأيوبي .. أو ربما “ليالي الحلمية” .. لا فارق هنالك ..  دعك من أن معظمهم من كبار السن الذين – مع احترامي وتقديري – جلس كل منهم على جبل من الخبرات على شاكلة “رئيس قسم الارشيف بالمحكمة العليا لمدة 28 سنة” .. تلك الخبرات الرتيبة في معظمها والتي تدفعك للتسائل عما يمكن أن يقدمه هذا المرشح المتقوقع داخل الصناديق وبين الملفات والأختام لمجتمع تعرض لصدمة غيرت مفاهيمه .. وحطمت كل قوالبه القديمة ..

كما أنه كان من المتوقع أن تظهر ضحالة التجربة السياسية الليبية بوضوح على معظم المرشحين، فتغيب البرامج والأهداف والقيم والمنطلقات التي يقف عليها المرشحون لقيادة الدولة في المرحلة المقبلة، فظل كل مترشح يتلمس حوله ما يراه من أولويات، أو بالأحرى نقاط جذب الأصوات، ليس إلا، تحسس كل منهم جزئية معينة وحاول الإيحاء للجمهور بأنه يمسك بكل خيوط اللعبة .. يذكرني هذا بقصة الأشخاص الذين أدخلوا إلى غرفة مظلمة بها فيل، فتعرفوا على كل شيء فيه إلا أنه فيل .. غاب البرنامج الوطني المحدد والواضح غياباً فادحاً، وظهر محله عدد لا بأس به من المرشحين الذين ألصقوا صورهم على الجانب الأيسر من اللافتة وإلى جانبها كلمات أو عبارات فضفاضة على شاكلة “قانون .. دستور .. دماء الشهداء .. اقتصاد .. من أجل الوطن .. الخ” .. وضع يعطيك إحساساً بأنها كتبت لكي لا يسمح لفراغ اللافتة أن “يمشي بلاش” .. فقط لا غير .. دون مفهوم حقيقي لما تعنيه هذه الشعارات ..

أما البرامج التي قدمها البقية فقد بدا معظمها واسعاً وغير واقعي، وتلخص في أن يأتي المرشح بالمشكلة التي يواجهها الشعب الليبي ثم يسبقها بشيء من قبيل “القضاء على” .. هكذا يصير البرنامج الانتخابي هو “القضاء على المركزية” .. أو “مكافحة الفساد” .. أو “محاربة الجريمة” .. هكذا وبكل بساطة .. وكأن عصا موسى جاهزة للاستعمال ، وأنه أول من فكر في استعمالها .. دون حاجة لآليات عمل للقيام بهذه المهام الجسيمة ..

كل هذا متوقع .. وطبيعي جداً .. ولا يخدش تجربتنا الديمقراطية الوليدة بأي شكل كان ..

غير أن المفاجأة المؤسفة والمؤلمة في ذات الوقت، هي أن يتاجر بعض من تقدموا لقيادة الوطن بالوطن .. هي أن يتمنن البعض بما قدموه من فتات لوطن ولد من بين أشلاء أبناءه .. وأن يعلنوا بكل صفاقة أنهم ذات يوم .. في ساعة يعلمها الله .. قدموا للوطن ما توجب عليهم تقديمه .. هو رياء ومزايدات لا مطلب من ورائها إلا كرسي سلطة ستفنى ذات يوم .. فمن مرشح ذكر بدعايته أنه “شارك في القتال بجبهة كذا وكذا” .. إلى مرشحة أصيب ابنها في جبهة كذا .. إلى مرشح كان يساهم بأعمال الإغاثة فترة الأحداث .. ومرشح كان يتواصل مع مواقع المعارضة في السابق .. وقس على هذا الكلام الصديء حتى تصل إلى مرشحة ذكرت في دعايتها أنها كانت “اطيّب في مبطن للتوار” !!!!! .. ترهات تتكوم فوق بعضها .. وتفوح منها رائحة تثير الاشمئزاز ..

الأمر يدعوك للتفكير في أولويات الاختيار وتحديد الأصلح .. وفي ذهنية الفاتورة التي قدمها البعض لليبيا مقابل ما قدموه من “خدمات” ..  فلو كان أفضل المرشحين أكثرهم تقديماً للوطن، فإنني ادعو لإقامة المؤتمر الوطني العام القادم .. في المقبرة ..

حفظ الله ليبيا

ملاحظة: الوالدة لم يعجبها كلامي .. يبدو أنها ليلة بدون عشاء ..

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

 

Advertisements

لله يا مجلسيين !

إذاً .. انعقد المجلس على “كراسي عقله” .. ورتب الأولويات على سلم مقلوب .. فرأى بلداً اكتمل أمنه ومستشفياته ومطاراته وطرقه .. ونزعت ألغامه وشفي جرحاه ورجع نازحوه .. ورأى شعباً ناله من الشرف ما ناله .. فقرر إشعال حرائق الفساد والحسّاد هنا وهناك .. وقرر أن التأزم الحالي لا يكفي .. وأن الوطن ليس سوى فرصة وجب اغتنامها قبل الضياع ..

كان الجميع يتوقع للمجلس أداءًا متذبذباً ومتخبطاً بعد تحرير البلاد واختلاط حابل الفخامة بنابل البطانة المستنفعة بمحيط قصور الضيافة .. إلا أن أحداً لم يتوقع أن يتسم هذا الأداء بالحمق والرعونة المفرطين .. واللتين ظهرت باكورتهما في هواية توزيع المال العام يميناً ويساراً على أي شيء وكل شيء إلا التنمية .. مليارات سكبها المجلس في مجارير الاستهلاك المباشر والتضخم المفرط الذي لا يتحمله المواطن العادي .. والله أعلم بما وراء القصد ..

بالطبع السيناريوهات المفترضة كثيرة جداً .. تبدأ عند افتراض سذاجة أعضاء المجلس وجهلهم بفقه الأولويات وأساسيات الإدارة والتصرف .. وتنتهي بنظريات الفساد والاستنفاع .. ودعم جهات معينة دون غيرها من أموال الدولة في الوقت بدل الضائع قبل الانتخابات .. وذلك لتمكينها من الجلوس وراء عجلة القيادة في المرحلة القادمة .. كل الافتراضات مطروحة على الطاولة الليبية، والتجربة تفرض علينا افتراض سوء النوايا إلى أن يثبت العكس .. إلا أن ما لا يُختلف فيه هو أن المجلس تمكن بهذه “البعزقة” من تفتيت صف الشعب وتأليبه ضد بعضه .. وتحميل الاقتصاد الليبي الكسيح وزر تضخم لم يقترفه .. ودمر عدة مليارات في سوق الاستيراد الاستهلاكي وارتفاع الأسعار الذي يقف على أكتاف المواطن “راقد الريح” .. وبدأ في تحويل ليبيا إلى صومال أخرى .. شعب من الشحاذين .. يتسكع على شاطيء البحر ويحتسي المكياطة .. ريثما يقوم العمال الأجانب بشفط نفطنا العزيز من تحت رمال الصحراء الحارة ..

إن أولويات المرحلة الحالية واضحة وضوح الشمس في هذا الصيف القائض .. ولا تحتاج إلى الكثير من الخبرة لتحديدها رغم كل الضبابية .. والحقيقة الوحيدة هي أن إغفال هذه الأولويات الملحة لا يتم بالمصادفة المحضة .. أو بالحمق والجهل غير المتعمدين .. بل وجب أن ندرك أنه تجاهل متعمد وصريح وواضح .. وأن الأكمة تخفي أكثر مما تظهر .. وأن هذا التعجل غير المبرر في إصدار قرارات كهذه لا يملك سوى تفسير وحيد ومرعب حد البكاء .. وهو أن ليبيا هربت من القذافي لتقع في أحضان “سلّال القلوب” ..

********

 يجلس المجلس بكرشه المميز وصلعته اللامعة فوق كيس ضخم من النقود، ويستمتع بتقليد ما تبتذله المسلسلات العربية من مشهد الوالي الذي يلقي صرر الدنانير للمتملقين والشعراء والأوغاد .. أنتم ثوار .. إليكم هذه الصرة .. نعم نعم .. أنتم سجناء سابقون .. فلنجعلها صرتين .. العفو .. كله من خير النفط .. أنتم .. من أنتم ؟؟ لا يهم .. تعالوا نفرغ الكيس معاً ما دام مفتوحاً .. وما دام في الإعلان الدستوري نفس يتردد ..

 ********

ملاحظة على الهامش: مدينة بنغازي اضطرت لجمع 1.5 مليون دينار من أجل تشغيل مطارها .. بالتبرعات !!!

اللعنة !!

 حفظ الله ليبيا

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa