في السبت ..

في صمت من حمل الجبال على كتفيه اغتسل .. سكب ماءًا دافئاً على جسده يرجو غسل الذنوب .. ركعتان في جوف ليل قد لا يطلع صباحه .. لباس مدني وحذاء متسخ .. دعاء من أم تقاوم دمعها كي لا تضعفه .. مصحف صغير في الجيب والكثير من الإيمان في القلب .. و سبع رصاصات ..

***

بمستشفى الجلاء .. بغرفة عمليات ضيقة ومنهكة .. تقف “سلمى” بوجه يلفه قناع التمريض الأبيض .. وبعينين فيهما ما فيهما .. تنظف أدوات الجراحة بعصبية مبررة .. وصوت عقرب الثواني يزيد الجو توتراً .. يفتح الباب أحدهم فتسأله “ما فش اخبار؟” .. يهز رأسه نفياً “انشالله خير” .. يقولها بلهجة من لا يصدق نفسه .. يغلق الباب فتعود لتجهيز مايلزم وتطمئن نفسها “انشالله” .. فيدوي صوت سيارة إسعاف في الأفق ..

***

في الليل الهاجع بسكون من عرف وقع ما سيجري .. بدرفي اكتماله ينير الطريق بين بنغازي وقمينس .. هم فتية سبعة .. والبنادق ثلاثة .. هم خلف التبة متوجسون .. وهم لا يعرفون بعضهم .. هم أبناء بنغازي ودرنة والبيضا والمرج وطبرق وشحات .. ربطوا أرجلهم ورابطوا للموت القادم من حيث تغرب الشمس .. هم حملوا الوطن في قلوبهم .. تسائل أحدهم إن كان من الحكمة التقدم .. وهناك .. على الطرف البعيد .. دوي خافت ..

***

هناك عند البوابة الغربية أراها تترجل من السيارة .. تمشي بكاهل مثقل بالسنين والشهداء .. بوجه مشقق وحزم واضح .. تمشي باتجاهنا فنقترب .. يقبل أحدنا يدها فتمسك به .. في عينيها تربى جيل أسقط النظام .. فيهما مأساة شعب ظل معتقلاً لعقود داخل سجن بلا أسوار .. وفيهما الصبر والقوة والعناد .. توزع النظر بيننا وبلكنة بنغازية صافية تقول:

“هذا تراب حامي .. والله مايخشوها ..

هنا بنغازي ..”

***

هنا بنغازي ..

هنا فتح القفص .. وانفرط العقد .. وقضي الأمر ..

هنا طفل يبكي من هول النهايات .. هنا تربع المختار والزوار .. هنا حنان أم في برد الشتاء .. ولقمة دافئة لطفل جائع .. هنا عجوز تبنت كل أبناء الحارات الضيقة .. هنا سوق الحوت والسلماني وقعمول الربيع .. وجلسات لا تحصى على رمال الصابري..

هنا تعيش درنة ومصراتة وفزان وجالو وطبرق والزاوية والبيضا وطرابلس .. هنا رباية الذايح .. سبخة وسعت كل ليبيا .. وهنا أكل الرجال في قصعة واحدة ..

هنا عاشت ليبيا وهنا انتفضت .. هنا الحب والقسوة .. والبسالة والرجولة والبطولة .. هنا محمد نبوس وراف الله السحاتي وفخري الصلابي والمهدي السمين ومعاوية عصمان .. هنا الصادق الشويهدي .. والمهدي زيو .. ومحمد بن سعود .. ومروان التومي ..

هنا مشانق الـ 73 والـ 76 والـ 83 .. هنا 7 ابريل .. وهنا الـ 96 و بوسليم وأطفال الإيدز .. هنا هدم ضريح المختار والنادي الأهلي .. هنا السفارة والعبارة .. و17 فبراير الأولى .. هنا الاستقلال والشرارة والثورة والتحرير .. هنا الأصل والفصل والمفصل .. هنا .. أراد الشعب إسقاط النظام .. وهنا أسقطه ..

***

تسكب براميل الزيت على قارعة الطريق .. تسحب الأقسام وتذخر المدافع .. تستحيل المدينة كرة من اللهب .. وتبتلع بنغازي غزاتها ..

كالعادة ..

حفظ الله بنغازي ..

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

Advertisements

ستر الله باقي ..

في هذه الحقبة المخيفة من تجربة ليبيا وذاكرتها، وفي أشهر يظل الشك وعدم الفهم فيها العنوان الأول والرئيس لوطن  لا يزال ملقىً في غرفة الإنعاش، وبعد الدعاوى الأخيرة من البعض لاتخاذ الفيدرالية حلاً لجوع أطفال جنود المناطق البعيدة عن العاصمة، يرفع بعضنا قناع الحضارة لإظهار دمامة تخلفنا السياسي والفكري والثقافي، وغرقنا في مزدوجات الاتفاق والوطنية، والاختلاف والخيانة، وليبين لنا أن تصرفات الطاغية كانت نتاجاً لثقافة محلية موغلة في الجهل وضيق الأفق، وأن آخرين شرعوا في استعمال الأسلوب نفسه، فقط لأنهم هم من يجلس خلف المدفع هذه المرة ..

دعاوى الفيدرالية – بغض النظر عن اتفاقك أو اختلافك معها – جوبهت بهجوم شديد من قبل مناهضيها، هجوم حمل لهجة الخيانة والانقسام والانفصال وخذلان الشهداء وغيرها من المهاترات والمزايدات التي تعبق برائحة قذافية خالصة، وهو أمر متوقع من رجل الشارع الذي تربى على ثقافة الرأي الواحد لعقود طويلة، والذي تعود الحكم بالوطنية لكل من يشاطره الرأي، وبخيانة وعمالة كل من يقف على الطرف الأخر من المركب، غير أن مرارة الثورة تجلت عندما ظهر إلينا رئيس مجلسنا المؤقت، فخامة السيد المستشار مصطفى عبد الجليل، متهماً بالخيانة الآلاف جملة واحدة، الآلاف من المواطنين الذين فت سواعدهم حكم مركزي يجامل الكتائب والمدن التي تحتل العاصمة، وينسى البعيد والضعيف والفقير، سيادة المستشار – وزير عدل النظام السابق – وزع التهم يمينا وشمالاً بالجملة، وأدهش المواطن الليبي البسيط بكفاءة الحكومة التي رغم فشلها في تشكيل جيش متين إلى حد الآن، استطاعت تكوين جهاز استخبارات فذ يتجسس هنا وهناك، ويجلب للمستشار تقارير تفيد “بضلوع دول عربية شقيقة في مخطط لتقسيم ليبيا”، في تكرار ممل لنظرية المؤامرة الصدئة، دون أن يخطر ببال سعادته احتمال مشروعية الأسباب التي أدت إلى هكذا مطالب، ودون أن يتكرم بالتواصل مع أصحاب الدعوة وفهم مسبباتهم وسبل حلها بطريقة تبين للمواطن اتساع ليبيا فعلاً للجميع. يحضرني هنا عبارة شهيرة قالها “اللي ما يتسمى” في خطاب “زنقة زنقة” الشهير .. “دول عربية شقيقة للأسف” .. وما أشبه اليوم بالأمس ..

التقط الدعوة والضوء الأخضر إعلامنا الموجّه، والذي استطاع بإيعاز من الحكومة إثبات أنه لا يوجد في ليبيا إلا رأي واحد، وأن الفيدرالية مضرة بالصحة تماماً كالسجائر والنفاق، وأن كل من ينادي بالفيدرالية كحل لمشكلة المركزية التي لا تزال قائمة هو خائن وعميل ويجب الإلقاء به إلى حطب جهنم، خصوصاً أنه خالف فتوى صريحة من سماحة المفتي الوحيد، توضح بأن كل من يدعو للفيدرالية قد خالف الشرع والدين وعصى الله ورسوله، في استحضار لتجارب مريرة خلط فيها نابل الدين بحابل السياسة والآراء الشخصية التي تحتمل الخطأ والصواب، وفي مخالفة لنظرية الإمام الشافعي عليه رحمة الله ” رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”

وبالطبع كان على رأس المهددين والمتوعدين سعادة البيه الوزير “فوزي عبدالعال” الذي فشل حتى الآن في فرض سيطرة وزارته على المنافذ البرية والبحرية في المناطق الغربية، والذي هدد بالدم كل “الانقساميين والانفصاليين” على حد تعبيره، مستقوياً ببعض أبناء ليبيا على البعض الآخر، وناسياً – أو متناسياً – أن فرسان برقة هم من سلموا المنافذ التي تتحكم فيها وزارته طوعاً ، وأنهم قاتلوا جنباً إلى جنب مع أخوتهم من فرسان مصراتة في شارع طرابلس، وأن بث الفتن بين أبناء الوطن ليس من شيم العقلاء .. ولا من شيم الرجال ..

عند ظهور مسائل وطنية مهمة في بلد مثل ليبيا يعج بالسلاح والجراح العميقة، فإن الحكمة تقضي باستخدام خطاب احتواء وتهدئة، لمناقشة القضايا بموضوعية  وعقلانية، ولإقناع المواطن بحقه في التعبير عن رأيه، وحق غيره في الاختلاف مع هذا الرأي، بعيداً عن الإقصاء الفكري والسياسي، غير أن ما قام به المجلس ومن خلفه الإعلام والمفتي ووزير الداخلية من تأليب للشارع المدجج بالسلاح ضد بعضه، وإقناع جزء من الرأي العام بخيانة الجزء الآخر، هو تصرف أرعن، الأمر الذي انفجر اليوم في بنغازي، وسقط بسببه مواطنون يحملون الجنسية الليبية ويحميهم القانون الذي يفترض أن يحرص الجميع على تطبيقه، سقطوا في مظاهرة سلمية كان الأولى على وزير الداخلية حمايتها بدل التهديد

والوعيد، انطلاقاً من حق المواطن في التعبير عن رأيه بالطرق السلمية، ومن أن واجب الدولة – ممثلة في وزارة الداخلية – حماية هذا المواطن تحت كل الظروف ..

أرى هنا أيها السادة ثورة سرق منها حق التعبير، وشهداء دفنوا تحت التراب لتكمم الأفواه مجدداً، وأمهات ثكلت ليقوم كل من سيادة المستشارة وسماحة المفتي ومعالي وزير الداخلية بفرض رأي واحد على الوطن، وأرى الوطن يذوب شيئاً فشيئاً خلف بعبع ………. ستر الله باقي ..

لك الله يا وطناً يعج بالتهم المعلبة الجاهزة للالتصاق عند أول اختلاف .. اليوم صار شديد الشبه بالأمس .. والتخلف والتعصب كالعادة قاسم مشترك ..

 حفظ الله ليبيا

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

في سوريا ..

اخلع حذائك وجواربك .. توضأ مرتين وتقدم ببطء .. فأنت في سوريا .. عدوٌ يرقب هنا .. وصديقُ يَطعن هناك .. وشعب ممزق الأوصال لم يبق له سوى الله والكثير من الأكفان ..

 

نهض عزرائيل في الشام ذاك الصباح .. علّم الأطفال درس المنية ثم رماهم لشبيحة الأسد .. علمهم أن الحب حرامٌ مالم يكن لظل الخليفة .. وأن الذل فرض ستين مرة في اليوم والليلة .. تنحني فيها الرؤوس ليقطف الزعيم شهيداً آخر .. وليفتح باب الجنة مرة أخرى .. علمهم أن العدو رحيم .. والجار مخمور ..  والأخ مسعور .. وأن الحق منقوص ومقلوب ومعدل .. وأن الأوطان تورث تماماً كالأغنام .. للذكر فيها مثل حظ الأنثيين .. ولابن الرئيس مثل حظ الشعب مرتين .. علمهم أن الحرية تصلب كل يوم على باب اللاذقية بأمر من السلطان .. وأن نهر “العاصي” قد أقفل لخروجه عن ولي الأمر .. وأن إسرائيل أم حنون .. وأب حنون ..

في سوريا .. يفتح باب المسجد ببطء .. تدخل “أم سالم” إلى المبنى البارد الرطب .. متشحة بالسواد والحزن تجر أرجلها وقطرات الدم تترك آثارها على السجادة الخشنة .. ينعق غراب ما عند القبة المزركشة  .. يدوي صوت الموت خارج المسجد ومعه يسمع جرس الكنيسة .. وعلى قبر “خالد بن الوليد” تنهار الثكلى .. تنهار كل سوريا .. تبكي سيف الله وتبكي أمة صارت تذبح نفسها .. تبكي من يقتلون كل يوم برصاص ذوي القربى وذوي البعدى على السواء ..  يسقط شهيد على باب المسجد .. ومعه تسقط دموعها .. قطرة .. وقطرتين ..

بالقرب من بحيرة “طبرية” يدفن “مازن” ذو السنوات الثمانية تحت أنقاض الوطن .. تراب ندي يغطى الجسد النحيل على عجل .. فالطابور طويل وحفار القبور استشهد ليلة البارحة .. يصيح البعض في هستيريا  .. يهتفون لوطن تدق نعوشه كل يوم .. يكبر أحدهم بصوت عالٍ .. الله أكبر .. تبكي السماء فقيدها ويطلق معتوه القرية بعض البخور .. وهناك .. في الطرف البعيد من المقبرة .. يحفر أخوه قبراً آخر ..

في سوريا .. سقطت الأقنعة والضمائر .. ودفنت الإنسانية مع الأطفال تحت التراب .. في كل يوم يلتقى العشرات من أطفال حمص وبنغازي ودرعا ومصراتة في باطن الأرض .. المسلمون والمسيحيون يسكنون القبور ذاتها .. لا فارق هنالك فالسلاح كافر بكل الآلهة والأديان .. والطغاة دينهم الخلود .. والشعب ديدنه الموت ..

في سوريا ..تصحو “بثينة” من نومٍ مضطرب بعد انتصاف الليل بدقائق ولا تدري إن كانت في حما أم في نالوت .. تهتز جدارن البيت كلعبة في يد طفلٍ متعكر المزاج .. يطلق ابنها ذو الأشهر الثمانية صرخة من أدرك أن السماء تمطر موتاً .. وتمطر نهايات ..  وأن الوطن غرق في وحل القضية .. وأن لكل مشكلة شماعة فلسطينية .. تلف الأم رضيعها وبعض الذكريات وتخرج إلى الشوارع الذابلة بحثاُ عن عدلٍ اندثر في الماضي السحيق .. جنود يجوبون الأزقة بحثاً عن فريسة أخرى .. يرتفع أذان الفجر قبل موعده .. ويرحل الرضيع قبل موعده ..

يقطر الدم من شرايين سوريا .. ومعها يقطر الحزن في شوارع دمشق العتيقة .. بين المآذن والكنائس يسير الأحياء والأموات على السواء .. علم أحمر على الكتف وراية خضراء في القلب .. تمر دبابة أخرى باتجاه الجنوب .. باتجاه درعا .. لحصد المزيد من الرؤوس غالباً .. ولاستنساخ الماضي بحذافيره القبيحة .. يقطر الدم من شرايين سوريا .. وفي بلاد العرب نهز رؤوسنا ونضيف ملعقة أخرى من السكر إلى فنجان القهوة .. من المزعج أن لا يبدأ اليوم ببعض الحلاوة ..

سقطت ورقة التوت و تكشفت عوراتنا .. سقط شهيد آخر في حمص .. وفضت بكارة الإنسانية إلى الأبد ..


في سوريا ..

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

 ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa


مجلسليكس .. تسريبات قانون الأحزاب المؤقت ..

تدق الساعة وتتساقط الأيام واحداً تلو الآخر، ويبقى من الزمن مائة يوم حتى يلطخ إبهام المواطن للمرة الأولى بحبر انتخابات طال الشوق إليها، وظلت في إدراك المواطن الليبي لعقود طويلة حدثاً غريباً يحدث هناك، في العالم الآخر .. ورغم كل التحفظات على توزيع مقاعد المؤتمر الوطني التأسيسي بين الأقاليم، والتي مضغت بما فيه الكفاية على صفحات الجرائد وغيرها، ورغم الأصوات والأقلام التي ترتفع بين أزمة  وأخرى اعتراضاً على انتخاب دون قانون ينظم تشكيل الأحزاب على الأرض الليبية العذراء سياسياً،  ، إلا أنه وتجنباً لترك البلاد في مهب الرياح المهاجرة من دكتاتورية إلى أخرى، فإن مبدأ “انتخابات متعثرة أفضل من لا انتخابات” يظل حاضراً وبقوة، من وجهة نظري على الأقل ..

تقول الأخبار أن المجلس الوطني – وبسرية تامة –  قد عكف مؤخراً على وضع مشروع قانون ينظم تشكيل الأحزاب السياسية، بهدف الحد من كرنفال الأحزاب الذي يجري على الساحة السياسية حالياً، مشروع القانون –السري حتى الآن- يفترض أن يظهر إلى العلن في الأسابيع القليلة القادمة، وذلك استباقاً للانتخابات المزمعة خلال الصيف  ..

وطبعاً ولأننا في ليبيا، فإن من التكرار قول أن الأسرار لا وجود لها، وأن الجميع يعرف كل شيء يدور في جنبات الدولة، وأنك باستطاعتك معرفة مقاس حذاء معالي السيد رئيس الوزراء مادمت تواظب على توديع الموتى بالثرثرة في سهريات بنغازي أو طرابلس، أو أي مدينة أخرى، وأن سلاح “ما سمعتش؟” الشهير لا يزال فعالاً في مواجهة شمع الدولة الأحمر وبروتوكولات السرية المختلفة، فتسربت نسخ من القانون – ربما لجس النبض – ووقعت إحداها بين يدي ..

يقع القانون المسمى “مشروع قانون تنظيم الأحزاب السياسية – خوذ نَفَس – المؤقت” في سبع وثلاثين مادة، تقسم إجمالاً إلى أحكام عامة، مواد تختص بتسجيل الأحزاب وشروط وتفصيلات التسجيل، ومواد تختص بالموارد والأحكام المالية، بالإضافة إلى مواد خاصة بحقوق وواجبات الأحزاب، ويمكن تلخيص أبرز مفاصلها على النحو التالي:

–           الأحكام العامة:

تبدو أحكاماً متوقعة تتضمن تعريفاً للحزب وشروط تشكيله من حيث علانية المباديء والأهداف والوسائل ومصادر التمويل، واشتراط عدم قيامه على أساس قبلي أو جهوي او عرقي أو لغوي، وهو الأمر الذي سيمنع قيام أحزاب أمازيغية أو قريتلية أو تباوية، بل يفرض على كل الأحزاب الهوية الليبية كشرط أساسي لتشكيلها، كما يشترط القانون على الحزب “ألا يكون امتداداً أو فرعاً لحزب سياسي أجنبي، أو مرتبطاً به تنظيمياً”، الأمر الذي سيفتح باباً واسعاً من التشكيك في أحزاب تعرف بارتباطها – فكرياً على الأقل – بتنظيمات حزبية تقع خارج ليبيا، وهذه قصة أخرى ..

مبدأ سليمة العمل السياسي يظهر جلياً في أحكام القانون، والذي يحظر على الأحزاب استعمال العنف أو التحريض عليه، وإقامة تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية أو المساعدة في إقامتها، كما يمنع على العاملين في القوات المسلحة ورجال الأمن ورجال السلك القضائي الانخراط في أحزاب سياسية، إلا في حالات التقاعد أو الاستقالة ..

يجدر بالذكر أن عضوية الأحزاب السياسية تشترط الحصول على الجنسية الليبية منذ عشر سنوات على الأقل، كما تحدد أن العضوية لا تمنح لمن صدر في حقه حكم قضائي بحرمانه من العمل السياسي، ولم تحدد ما إذا كان هذا الشرط باطلاً إذا ما كان الحكم صادراً في جماهيرية العقيد ..

–          تسجيل الأحزاب:

هنا أناط القانون بالسلطة القضائية مهمة تسجيل الأحزاب وإدارة شؤونها، وتحديداً بـ “دائرة الأحزاب السياسية” المزمع إنشاؤها بالمحكمة العليا، والتي تختص بالنظر في طلبات تسجيل الأحزاب وإصدار تصاريح مزاولة النشاط بناءاً على الشروط سالفة الذكر، بالإضافة إلى شروط تختص بالنظام الأساسي للحزب والتي تفرض توضيح أهداف الحزب ووسائله، وشروط اكتساب العضوية وإسقاطها، وبناء الحزب وهيكله التنظيمي وآليات انتخاب قياداته، بالإضافة إلى مصادر التمويل وطرق الصرف وبعض الأحكام الأخرى، كما يوضح القانون الشروط الخاصة بالأعضاء وأبرزها شرط إقامة العضو “عادةً” في ليبيا، مع ترك تفسير هذا الشرط للسلطة القضائية ..

تكليف السلطة القضائية بمسؤولية إصدار تصاريح مزاولة النشاط الحزبي يعتبر أهم أحكام هذا القانون، حيث يحد من تأثير السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية – من الناحية النظرية على الأقل – على الأحزاب، الأمر الذي خالف عادة عربية قميئة تعطي سلطة إصدار تراخيص الأحزاب لوزارة الداخلية، كما هو الحال في تونس والمغرب، أو للبرلمان كماهو الحال في مصر

–          الموارد والأحكام المالية:

ويحدد هذا الجزء من القانون الأحكام الخاصة بالمال السياسي – وما أدراك ما المال السياسي – من حيث الشروط الواجب توافرها في مصادر التمويل، حيث فرض القانون أن تكون الأموال ليبية خالصة، وحظر استلام الهبات من أي جهة غير ليبية مهما كان شكلها ونوعها، بل وحتى استلام هذه الأموال من الليبيين المقيمين بالخارج مالم يكونوا أعضاء مسجلين بالحزب، كما حظر استلام المنح والهبات من كل الجهات والهيئات والمؤسسات والشركات التي تتبع بشكل كامل أو جزئي إلى السلطة التنفيذية للدولة (الحكومة)

الرقابة المالية لم تغب عن المشرع، حيث حدد آلياتها من حيث مراجعة الحسابات الخاصة بالأحزاب، والتأكد من التزامها بالشروط الخاصة بموارد الحزب وأوجه الصرف المختلفة، وحالات توقف الأعانة المقدمة من الدولة، وغاب عن القانون تحديد آليات مراقبة الأموال التي يمكن تمريرها بالتوازي عبر حسابات مخفية هنا أو هناك

أبرز مواد هذا الجزء هي تلك المتعلقة بدعم الدولة للنشاط الحزبي في الدولة، فحددت أن نصف ميزانية دعم الأحزاب من الخزانة العامة ستصرف إلى كل الأحزاب المسجلة بالتساوي، فيما يقسم النصف الثاني حسب نسبة أصوات الناخبين التي يحصدها كل حزب في الانتخابات، مع وضع عتبة 3% من الأصوات كحد أدنى لصرف هذه الإعانة، الأمر الذي يعد تشجيعاً للأحزاب الصغيرة إذا ما قورنت النسبة بـ 6% في المملكة المغربية و 10% في تركيا

–          الحقوق والواجبات:

رغم العنوان، إلا أن هذه الفقرة تختص حصريا بحقوق الأحزاب دون أي ذكر لأي واجبات مهما كان شكلها، وتختص هذه الفقرة بسرد حقوق الأحزاب من حيث الإعافاءات الضريبية وغيرها، وحق حصانة مقار الأحزاب ومرسلاتها واتصالاتها ضد المراقبة والتفتيش إلا بأوامر قضائية من المحاكم المختصة، وحقها في امتلاك وسائل إعلام خاصة بها أو استخدام وسائل الإعلام المملوكة للدولة بكافة أشكالها

–          أحكام حل ودمج وانضمام الأحزاب:

وفيها يحدد المشرع الأحكام الخاصة بالحل الاختياري للأحزاب واندماجها وانضمامها، والتي ترك الفصل في طلباتها لدائرة الأحزاب السياسية بالمحكمة العليا، كما ترك للدائرة حق إنذار الأحزاب المخالفة للقانون لتصحيح أوضاعها وتغريمها بمبالغ محددة في حال عدم استجابة هذه الأحزاب (لم تحدد قيمة الغرامة المالية في مسودة القانون)، أو إحالة الموضوع للقضاء المختص إذا كان الفعل المرتكب يشكل جريمة وفقاً لقانون العقوبات الساري، ولا يجوز حل الحزب أو وقف نشاطه أو وقف تنفيذ إحدى قراراته إلا بموجب حكم قضائي، يبنى على طلب معلل يتقدم به رئيس دائرة الأحزاب السياسية إلى المحكمة، وذلك لحل الحزب وتصفية أمواله في حال فقدانه لأي من شروط التأسيس أو إخلاله بأي من أحكام هذا القانون

إجمالاً، يعد القانون “المؤقت” بداية مؤسساتية جيدة للحياة الحزبية في ليبيا، درس المشرع فيها القوانين المشابهة في دول مختلفة وتجنب الوقوع في الأخطاء ذاتها، وذلك تأسيساً لحراك حزبي قوي ومستقل، يعمل كحاجز يمنع الوطن من السقوط في وحل الدكتاتورية مرة أخرى، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل ينوي المجلس الانتقالي المضي في التجهيز لانتخابات المؤتمر الوطني التأسيسي بنفس التقسيم المجحف للمقاعد بين الأقاليم؟؟؟

ربما ..

حفظ الله ليبيا

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa