وزارة الدلّاع ..

رغم أني ضد الاندفاع نحو تفصيل الحق والباطل في نزاع الكفرة من وجهة نظر أحادية وعلى مقاس توجهاتي، وذلك لضبابية الصورة وتأسياً بالفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال “إذا جاءك الرجل وقد فقئت عينه فلا تحكم له فلعل الآخر قد فقئت عيناه” .. إلا أن ما لا يمكن الاختلاف فيه هو أن الكثير من الدماء قد سالت عند بوابة الوطن الخلفية بالأسبوعين الماضيين دونما أدنى تحرك من الحكومة الموقرة أو المجلس الوطني الدائم – على ما يبدو – وأن أقصى ما قام به خبراء وزارة الدفاع هو المرور وسط الجثث – بعد أن “قبّع” كل منهم سرواله “الفيرزاتشي” – دون أن يروا حجم المشكلة، وأن أفضل ما استطاع معالي الوزير فعله هو فتح شباك الوزارة والنظر من بعيد والتصريح بكل ثقة “لا لا مافي شي .. خيركم مكبرين القصة؟”

“هذه الكفرة يا سادة” .. قالها قراتسياني من قبل وها نحن نقولها اليوم، الكفرة موطن البطولة في أروع تجلياتها، والتي كانت الملاذ الآمن لأسر الأبطال الذين جاهدوا ضد المستعمر الإيطالي بجانب عمر المختار في برقة، الكفرة الحبيبة التي ذاقت الأمرين نتيجة احتضانها للعائلة السنوسية ولكل المجاهدين الليبيين، والتي كانت أثناء الثورة الحارس الأمين الذي قطع مدد “حركة العدل والمساواة ” المساند للقذافي، كافأها النظام بالأمس بالإلقاء بها في قاع المركب الليبي، بإهمال وتهميش شديدين نجحا في تحويلها إلى قطعة من “رواندا”، واليوم يكرر المجلس والحكومة – المستمعتين بالدفء في طرابلس – ذات السيناريو البغيض، بإهمال غير مبرر للقضية متعددة الأبعاد، خصوصاً أن الوضع الإنساني قد تأزم واستفحل، وبدأ في الظهور على شكل موجات نزوح تأخذ شكلاً متصاعداً، بالإضافة إلى عدم وجود أي مستشفى يستطيع التعامل مع أزمة بهذا الحجم على طول الطريق بين الكفرة وبنغازي، تكرر الحكومة الغلطة ذاتها دون فهم أن حرمة كل متر من التراب الليبي أينما كان هي كحرمة الأمتار القريبة من العاصمة، وأن تحوصلهم في تلك المكاتب يدنيهم من نهايتهم، وأن الشعب لن يسكت ..

الحقيقة الأخرى التي يبدو أنها غابت عن أصحاب الكراسي، هي أن الأهمية الاستراتيجية للكفرة تضرب أمن واستقرار البلاد في مقتل، فحظها العاثر الذي اوقعها على الحدود مع كل من مصر والسودان وتشاد جعلها تعيش يومياً التأثيرات الناتجة عن تحركات الدول الثلاث بأشكالها السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، وأنها ملاصقة لإقليم دارفور وسكانها “قبيلة الفور”، وبالتالي “حركة العدل والمساواة” معروفة الولاءات والتمويل، وأن بقايا حرب تشاد لا تزال تلوح في الذاكرة، وأن أحدهم قد يحاول فعلاً تنفيذ مخطط “مثلث السارّة” على أرض الواقع، وأن “قرين صالح” سفير النظام السابق في تشاد لا يزال هناك، متربعاً على كل الأموال التي هربت قبل ولحظة سقوط النظام وربما حتى الاستثمارات الليبية هناك، وأن الاستخبارات التشادية قد يكون لها فعلاً يد في الموضوع .. وأخيراً أن  بعض الأيدي الخفية قد تحاول لاحقاً استنساخ التجربة السودانية لخلق “دارفور” أخرى على التراب الليبي .. ويا ساترعالبلاد وخلاص !!

إن وزارة الدفاع مسؤولة بالكامل عن بسط نفوذ الدولة في تلك البقعة المظلومة من التراب الليبي ، حتى وإن كان الموضوع خلافاً قبلياً بالفعل كما يقول البعض – بمن فيهم سيادة الوزير نفسه – ، وأن أزمات حادة كهذه لا تحل عن بعد، بل وجب على الوزارة وجيشها النزول إلى الميدان وإعلان المنطقة “منطقة عمليات عسكرية” تقوم من خلالها بفض الاشتباكات وإعادة الأمن والاستقرار إلى أطفال الكفرة الذين يحملون ذات الجنسية التي يحملها أطفال طرابلس وبنغازي ومصراتة، وأن تقاعسها عن تلبية النداء اضطر الثوار – والذين عاد بعضهم بالفعل إلى الحياة المدنية – إلى امتشاق السلاح مجدداً وتلبية النداء وإنقاذ الوطن .. الثوار الذين دأبت الوزارة على تصويرهم كجزء من المشكلة، والذين أثبت أول اختبار حقيقي أنهم جزء من الحل، ولربما الحل كله في أوقات كهذه ..

وبفرض عجز الوزارة ومن خلفها الجيش الوطني عن القيام بمسؤوليتهما تجاه هذه الأزمة وذلك نتيجة لعدم توفر الإمكانات العسكرية واللوجستية، فإن الواجب الوطني يحتم على الوزير التنازل عن مقامه العالي والتصريح بهذا العجز والضعف، وطلب المساعدة من كتائب الثوار التي تملأ البلاد طولاً وعرضاً، وذلك من باب التعامل بواقعية مع المشاكل في محاولة لإيجاد الحلول العملية، ولأن أولويات الشرف العسكري تحتم أن وقف حمام الدم وإنقاذ أرواح البشر أولى من حفظ ماء وجه صاحب المعالي، ولكن يبدو أن معالي الوزير مشغول بالدفاع عن ابنه المتهم في جريمة قتل أكثر مما تشغله الدماء في الكفرة، والتي يبدو أن رائحتها لا تصل إلى المكاتب الفخمة في طرابلس، وأنه يفضل حل المشاكل القريبة من ريكسوس، بدلاً عن أطراف الصحراء القاحلة، والتي يمكن الاستعانة فيها بثائر ثوار إفريقيا، قرندايزر الثورة الليبية “عبد الله ناكر” ..

أخيراً وبصراحة .. أطلب من معالي الوزير الاستقاااااااااااااااالة .. ليس حفظاً لماء الوجه، فلم يبق من ماء الوجه شيء، بل حفظاً لما تبقى من الوطن .. ولأن وزارة الدفاع .. تحولت إلى .. وزارة دلاع ..

حفظ الله ليبيا

أحمد بن موسى


Follow me on twitter: @Ben_Mussa

ahmed.benmussa@yahoo.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

Advertisements

تاورغا .. يا كفار !!

وضعت الحرب أوزارها وانتهت، وحقق الشعب نصراً مستحيلاً – من الناحية النظرية – على نظام مسعور كان يوم الخامس عشر من فبراير يبدو كجبل أصم أمام بضع مئات من الحالمين الذين اعتقدوا بقدرتهم على إطاحته ..

وضعت الحرب أوزارها، و استأسد البعض وتسلق الكثيرون، وحان وقت كشف الأقنعة وتسمية الأشياء بمسمياتها، وصار على المنتصر أن يثبت أنه أهل لانتصاره، وأن عهده لن يكون كسابقه مع اختلاف الاتجاه، وجاء الوقت الذي نثبت فيه لأنفسنا أن الله لم ينصرنا على وحش ليخلق وحشاً أشرس، و لنغير نظرة الضحية في أعيننا بنظرتنا الحقيقة والتي تتراوح بين الرحمة والقسوة .. وشتان بينهما ..

وضعت الحرب أوزارها، وتحررت مصراتة الأبية من حصار خانق فرضه نيرون ليبيا بقواتٍ مرتزقة من الداخل والخارج، تحررت بفضل رب العباد أولاً ثم بفضل رجالها البواسل و من قاتل معهم و دعمهم من أبناء المدن الأخرى، وصار وقت التعامل مع الخصم ومحاسبته بشكلٍ يثبت لنا أننا آدميون قبل أن يثبت ذلك لحلفائنا وخصومنا، و بشكل يعطينا الإحساس باستحقاق نصرٍ كان ضرباً من خيال من أراقوا دمائهم على تراب الوطن .. و ضرباً من الهلوسة ..

استعان القذافي في حالة مصراتة بالكثير من القوات التي أتت من مناطق معينة، مستغلاً علاقة تاريخية يشوبها ما يشوبها بين أهالي المدينة وتلك المناطق ليثري جيشه بالعديد من الشباب الذين أتوا إما لإشفاء غلٍ مريضٍ أو اغتناماً لفرصة نهبٍ وسلب، أو لأغراض أخرى يعف القلم عن كتابتها، وعلى رأس هذه المناطق كانت تاورغا، وما أدراك ما تاورغا ..

كانت تاورغا على مر أشهر الأزمة مصدراً مهماً للجنود الذين قاتل بهم النظام في كافة الجبهات، وخصوصاً في جبهة مصراتة، الأمر الذي لم يحدث بمحض الصدفة، بل كان ضمن خطة محكمة نفذها النظام مفادها مهاجمة كل مدينة بأبناء ما جاورها من المدن والقبائل، لخلق فتنٍ و إحداث شقاق يسع لوضع رأسه الشبيه برأس ميدوسا المليء بالأفاعي .. فيتحكم و يحكم ..

أخطأ هؤلاء و أجرموا، وانتصر الأخيار في نهاية المطاف كما يحدث في كل أفلام هوليوود التي يبدو أن القذافي لا يشاهدها، و صار أهل مصراتة في اختبار حقيقي أمام الله و أمام العالم، يقف أمامهم الخصم عارياً من السلاح، يمسك بيده طفلته وبيده الأخرى بطانية، و تحمل زوجته بقية الأغراض والهموم، ينتظر حكماً ممن أساء إليه سابقا ولسان حاله يقول “خيراً .. أخٌ كريم و ابن أخٍ كريم”، ونسى أو تناسى ما قدمت يداه ورجلاه ولسانه، ونسي أن الخالق يحاسب في الدنيا أحياناً ..

بعد تحرير مصراتة وامتداد سيطرة الثوار على تاورغا، نزح أهل المدينة إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرة النظام وقتها، فلجئوا إلى سرت و هون وودان وترهونة وسبها وبن وليد وطرابلس، الأمر الذي قوبل على مضض من سكان المدن المضيفة، فقوبلوا بسوء المعاملة في معظم الأحوال من مؤيدي القذافي قبل معارضيه، قبل أن يطلق القدر العنان لسخريته،  ويكشف التاريخ عن وجه لم يتوقعه هؤلاء، انهار النظام بأسرع مما توقع الجميع، ووجد هؤلاء أنفسهم فجأة تحت رحمة ضحية الأمس، وتحديداً تحت رحمة ثوار مصراتة، الذين لم يدخروا جهداً للحاق بهم حيثما كانوا، والانتقام من كل من يقابلونه منهم، رجلاً كان أم طفلاً، معارضاً أم مؤيداً، مقاتلاً ام مدنياً، وذلك في ظل انعدام سيطرة المجلس الوطني الانتقالي على هؤلاء بشكل مباشر أو غير مباشر، ودون اتخاذ منهجية ما للتحقيق مع أهل المدينة بطريقة منطقية، للتحقق من مدى ضلوعهم في جرائم الحرب التي يتهمون بها، في إطار قانون يحفظ حق المدعي والمتهم، ويمنعنا من الغرق في جريمة أبشع من تلك التي ثرنا ضدها، ودون أن ينجحوا حتى في منعهم من الاستمرار في بيع الذهب المسلوب في أسواق ترهونة حتى الآن ..

إن ما يقوم به بعض المحسوبين على ثوار مصراتة حالياً تجاه لاجئي تاورغا يعد جريمة بكل المقاييس، المحلية منها والدولية، فحوادث الإرهاب والتعسف التي تقوم بها قواتهم في مخيمات لاجئي تاورغا في ترهونة وطرابلس وغيرها من المناطق فاقت حدود الصمت، وإطلاق النار العشوائي في الهواء داخل مخيمات نزوحهم بهدف الإرهاب والترهيب تتكرر باستمرار، فسجلنا جريمة قتل طفل تاورغي في الثامنة من عمره منذ عدة أسابيع بذنب انتماء عائلته إلى مدينة دون غيرها، ذنب لم يقترفه ولم يفهم كنهه بعد، قتل على يد “ثائر” مصراتي يكبر و يؤمن بالله الذي يقول في كتابه العزيز “ولا تزر وازرة وزر أخرى”، قتل في مخيمٍ مزرٍ في أطراف ترهونة، قتل وصمت إلى الأبد ..

وبعيداً عن أي اعتبارات إنسانية أو قانونية، فإن الحقيقة التي يبدو أنها تغيب عن إدراك ثوارنا المرابطين على تخوم مخيمات لاجئي تاورغا هي أن قرار مجلس الأمن رقم 1973 والذي يفوض المجتمع الدولي باتخاذ “كل ما يلزم لحماية المدنيين” هو قرار شامل ومطاط ومرن إلى حد كبير، يمكن تفسيره بكافة الأشكال والاتجاهات بما يتوافق مع مصالح الدول الكبرى، وبما يعطي مرونة لهذه الدول لوضع رجلها و أنفها في شؤون بلادنا الداخلية، لحماية مدنيي تاورغا من بطش الثوار، أو استصدار قرار أممي جديد يقضي بالتدخل في ليبيا، وذلك على هيئة قوات حفظ الأمن التابعة للأمم المتحدة، والتي لها ما لها وعليها ما عليها، والتي ستتمكن الدول الكبرى من خلالها من الحصول على موطيء قدم يمكنها شيئاً فشيئاً من التربع على رمال صحرائنا ومد أرجلها في مياه المتوسط الدافئة، وبالتالي نكون قد قدمنا ليبيا طبق من الذهب والغباء إلى كل من يطمع في رمالها التي تفوح منها رائحة النفط، ونكون قد استبدلنا قبعات القذافي الصفراء بالقبعات الأممية الزرقاء، ودفعنا فرق السعر بدم آلاف من شبابنا، وبكثير من التهور والجهل، وكاننا نصرخ للعالم “أنقذوا تاورغا .. يا كفار”

إننا أيها السادة نقف على شفى بئر عميق مظلم لا قرار له ولا مخرج منه كذلك، وأرى البعض يهم بنزع حذائه استعداداً للقفز متطوعاً، ولسان حالهم يقول “دم الشهداء .. ما يمشيش هباء” .. فهل من عقلاء ؟

م. أحمد بن موسى

نشر في نهاية شهر أكتوبر-2011

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

من وراء الموت ..

تبدأ حكايتي بنهايتي، برصاصة رخيصة تنتزع من جثتي روحها، وعن طفلي تنزع الابتسام، مؤلمة هي ومريحة في آن، تخترق صدري وتدفعني إلى الوراء فأميل وأبدأ في السقوط، عجيب ذلك الشريط المكرر الذي تراه أمام عينيك ساعة الردى ..

***

طفل أنا في السادسة من عمري، أجلس متحمساً على طرف السرير المبعثر وأمد رجلي لأمي لتلبسني الحذاء، حقيبة يوم الدراسة الأول جاهزة، تحوي دفاتري وأقلامي وتفاحة، يأخذني والدي من يدي ويدخلني إلى عالم المدرسة آملاً أن أتعلم ما يزيدني يقيناً بأن الله حق ..

***

أميل إلى الوراء سقوطاً فتتكشف لي سماء البريقة بلونها الصباحي المميز .. أسقط على الأرض الترابية المليئة بالحصى، يؤلمني السقوط أكثر مما تؤلمني الرصاصة .. يتناثر الغبار من حولي و يصيح حسين بلهجته الدرناوية المميزة “شهييييييد .. الله أكبااااااار” .. يهرع إلى الشباب ويشرع أحدهم في تمزيق سترتي .. و من خلفي أسمع أحدهم ينتحب .. أتراه سراج؟

***

تتساقط قطرات الدم مني فأنظر إلى ساقي المجروحة بتألم، لعينة عادة لعب الكرة على ساحات الاسفلت، ولعين هذا الألم الذي يعتصرني، ملامح الرجولة المبكرة الظاهرة على وجهي ونظرات الرفاق تفرض علي أن أنهض متظاهراً بعدم المبالاة .. يا لإرهاب المراهقين ..

***

بمستشفى الجلاء .. يفتح باب الثلاجة الباردة ويسحبني أحدهم .. “هذا ولدك يا حاج؟” .. ” لا  لا ولدي قالوا في التلاجة رقم 19 ” .. “هذي تلاجة 7 يا حاج .. غير شن جيبك هنا ؟؟” .. يقفل باب الثلاجة بعنف  .. يسود البرد والظلام مرة أخرى .. اللعنة !! .. من أخذ ولاعتي ؟

***

ألملم دفاتري ومفتاح السيارة، أمازح أحد الزملاء وأبحث عن قلمي الذي يبدو أنه قد سرق للمرة الألف، تعلم اللغة الانجليزية صار ترفاً و غزواً ثقافياً هذه الأيام، يفتح الباب فإذا بها تدخل لتقلب عالمي رأساً على عقب، تلبس وشاحاً داكناً و الكثير من الحياء، جمالٌ من النوع الذي يدفع أي شاب لأن يقلب كوب القهوة ارتباكاً، وسحرٌ يخبرني بأن الدنيا لم تعد كما كانت من قبل ..

***

يحمل بعضهم التابوت على كتفه ويتمطى .. يبدو أن الزحام شديد والتدافع أشد .. و يبدو أيضاً أن المشيعين في المؤخرة أقصر منهم في المقدمة فالتابوت مائل للخلف .. “لا إله إلا الله .. والشهيد حبيب الله” .. يبتهل البعض في تأثر واضح.. تنحني السماء لتحيتي وتفوح رائحة الورد من التراب .. يصحو الموتى من قبورهم فالضيف مهيب و فوق الاعتياد .. تتلى سورة يس بطعم الدموع و يبكيني الوطن .. يطلق بعضهم مئات الأعيرة النارية في الهواء على الأرجح، الصوت عالٍ و مزعج .. في ليبيا، الطريق إلى الجنة مليء بالضوضاء.. يمشي الموكب في تسارع و كأنهم يستعجلون دفني، أبسبب الشمس الحارقة؟ .. أسمع بطرف أذني ابن الجيران يحدث صديقه عن الفتاة التي تعرف إليها البارحة في “بازار دعم الثوار” .. ياله من صفيق !!

***

“الله أكبر الله أكبر .. أشهد أن لا إله إلا الله” .. يؤذن والدي في أذن طفلي الأول .. بمزيج الحب و الرهبة والسعادة تخنقني الدموع فألازم الصمت و أنظر إلى زوجتي المنهكة والسعيدة في ذات الوقت .. أغرق في عالم موازٍ لا أنتمي إليه، وفي وطن لا أنتمي إليه، وأخاف أن يكبر طفلي في بلادٍ أخشى على نفسي من ظلمها .. تنتشلني زوجتي من همومي بسؤالها “نسموه جهاد؟” ..

***


غريبة زاوية النظر من وسط القبر نحو أشخاص يرصون ألواح الاسمنت فوقك ليمنعوا وصول الشمس إليك إلى الأبد، تسمع المزيد من الرصاص و الهتاف عن ليبيا فتعرف أنك تسمعه للمرة الأخيرة .. “جيب البالة” يصيح زوج اختي في محاولة منه للتظاهر بالشدة ورباطة الجأش و احمرار عينيه يشي بالعكس .. ينهار أبي على القبر ويبكي .. ينتحب .. تسحبه أذرع كثيرة إلى الخلف وتبارك له شفاعتي .. ومن خلفهم أرى جهاد يقف وحيداً حائراً .. للمرة الأخيرة ..

من وراء الموت ..

 أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

ahmed.benmussa@yahoo.com

نشرت بمجلة الليبي، عدد يناير 2012