المزيد من الطبيخة .. لو سمحت ..

حسناً .. وصل الاحتقان بين رجل الشارع و المجلس الوطني الانتقالي  والذي أشار إليه العديدون في الأسابيع والأشهر الماضية إلى مرحلة الانفجار، انفجر الوضع على مرحلتين متتاليتين، بدأت أولاهما بـ”طريحة” غوقة والثانية بـ”تدشيشة” المجلس، وما بين الطريحة والتدشيشة ترتفع الكثير من علامات الاستفهام والحزن على مجلس رمى نفسه والوطن في النار وقال “اتركوها فهي مسيرة”، وكأن ليبيا قطيع من الإبل يعرف مرتعه بحاسة الشم .. سيجده حتما .. وإن نفق بعضه عطشاً ..

انفصل المجلس عن الشارع، وتعالى بعض أعضائه و اختفى البعض الآخر في عباءة المستشار فظل مجهول الإسم والهوية، ورفع حراس غوقة السلاح وأطلقوا النار في حرم الجامعة في حضرة الطلبة العزل، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف، وما أشبه اليوم بالأمس ..

أقول لسيادة المستشار تعال نرجع الأمور إلى أصلها ومنبتها، أرجع شريط ذكرياتك إلى يوم صرخ الليبيون “الشعب .. يريد .. إسقاط النظام”، ستعرف وقتها أننا نحن الشعب، وأننا نحن الأصل والفصل والمفصل، وأننا من أسقط النظام القديم ومن سيسقط غيره إن اضطرنا الأمر لذلك، نحن السلطة العليا والوحيدة في البلاد، وحضرتك ومجلسك مجهول الهوية لم ولن تكونوا يوما فوق الشعب، أخطأ آبائنا يوم سمحوا لبعض الرؤوس أن تينع وتكبر على حساب المواطن المسكين، ولكن الأبناء حفظوا الدرس من على شواهد القبور، والمؤمن لا يلدغ من ذات الجحر مرتين .. والليبي لا يعيش في الظلام مرتين ..

وسط كل هذه الأحداث الأليمة ومشاهد المحاولات المستميتة للبعض لتحطيم سيارة رئيس المجلس المصفحة “الله يربّح قطر”، خرج علينا أحد المشائخ بحضور الدكتور غيث الفاخري وأعلن جملة من النقاط التي اتفق عليها “مشائخ بنغازي” مع “الشيخ مصطفى عبد الجليل”، أذكر منها نقطتين تحديداً:

–          الأولى: “أن الشيخ الصادق الغرياني قد اتفق مع الشيخ مصطفى عبد الجليل على إلغاء كافة القوانين التي كان معمولاً بها في عهد القذافي والإلقاء بها تحت أرجل الليبيين، والعمل بالشريعة الإسلامية من الآن فصاعداً”

–          الثانية: “أن الشيخ مصطفى عبد الجليل سيرسل رسالة إلى وزير الخارجية في الصباح يطلب منه فيها إبعاد أزلام النظام عن كافة سفاراتنا في الخارج”

انتهى كلام الشيخ

إذاً شيوخ البلاد يعتلون الكراسي ويعطلون القوانين، ويفتحون الحنفية على الطين ليصير وحلاً، (المزيد من الطبيخة لو سمحت)، تماماً كما فعلها سلفهم إمام المسلمين معمر القذافي في خطاب زوارة “التاريخي”، هكذا دون مقدمات أو مؤخرات أو حتى شرعية يستمدونها من صندوق الاقتراع الذي يمثل “البيعة لولي الأمر” والتي هي أول أسس الشريعة، وفي حديث فلسفي ليس هذا أوانه ولا وقته، ولا يمت لاحتياجات الشارع الملحة أو الواقع بصلة، وناسين أو متناسين أن الشعب لم يفوضهم لاتخذا هكذا قرارات جوهرية، وأن الشعب يطلب حقوقه البسيطة المباشرة، وأن ما حدث كان نتيجة لاحتقان طال أمده أكثر من اللازم ..

إذاً صحا رئيس مجلسنا الموقر من سبات طويل وقرر أخيراً مخاطبة وزير الخارجية لمطالبته بتنظيف السلك الدبلوماسي من بقايا “الأشكال المقلبة وأزلام النظام” – على حد تعبير أحدهم – والتأكد من استبدالهم بآخرين حسني السمعة والصيت، صحا بعد 40 يوماً من بدء اعتصام تصحيح المسار بالتمام والكمال، بعد أن رفعها أبناء الوطن الشرفاء المثقفون المتعلمون عالية سلمية راقية في وجه الفساد، يبدو أن 40 يوماً متتالية من الوقوف السلمي في الصقيع والمطر و”البوصار” – على حد تعبير زميلنا المهندس رافع البشاري –  في ميدان الشجرة وميدان الجزائر لم تقنع سيادة المستشار بضرورة تعديل موقفه واتخاذ ما يلزم، بل استمر في تجاهل هؤلاء ولم يكلف خاطره بنصف ساعة من وقته الثمين ليطمئن هذا الشباب ويربت على كتفه ويحادثه بأن الثورة لم تسرق، وأن الأم لم تفقد وليدها لأجل أن نجدد معاهدات الصداقة الليبية الإيطالية .. تغير هذا الموقف بعد الهجوم على مبنى المجلس يزيد من ترسيخ ثقافة العنف التي نحاول نزعها عن البلاد، , والرسالة التي أوصلها المجلس إلى عموم الشعب الآن هي أن:

السيف أصدق أنباء من الكتب .. في حده الحد بين الجد واللعب ..

يبدو أن صوت القنابل مقنع جداً ..

غير وين ماشيين بينا ..

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

ملاحظة: شخصياً أرفض العنف بشكل قاطع ولا أجد له مبررات مهما كانت الظروف، وأكن للسيد عبد الحفيظ غوقة و السيد مصطفى عبد الجليل كل الاحترام والتقدير، رغم أخطائهما

Advertisements

ربيع العرب .. وخريف إسرائيل .. وجدتي ..

إن كنت تقرأ هذا المقال بحثاً عن كاتب يشفي غليلك ويهدد العدو الإسرائيلي بالفناء على أيدي ثوارنا البواسل، ويدعو إلى الجهاد لتحرير زهرة المدائن التي اغتصبها الصهاينة دون وجه حق، فأظن أني سأخيب أملك، لذا يمكنك توفير الوقت وقلب الصفحة إن كنت تطالع النسخة الورقية، أو إغلاق الموقع إن وجدت المقال على إحدى المواقع الإلكترونية ..

يمكن لك أن تعتبر هذا المقال بمثابة الـ”سبسي” الذي تخرج لتدخينه أثناء أكثر ساعات العمل انشغالاً، منعش (ومهلك للصحة طبعاً)، ولكنه يعطيك فرصة للابتعاد عن ضوضاء تفاصيل الحياة اليومية، وإطلاق العنان لفكرك للنظر إلى المشهد من زاوية عالية، لترى الصورة الكبيرةThe Big Picture  كما يقال بالإنجليزية، ولكي لا أتهم بالحذلقة والفلسفة الزائدة، لك أن تتخيل المعتصمين أمام المحكمة ببنغازي يوم 18- مارس، صاخبون جداً ويناقشون أدق التفاصيل، لكن الصورة الكبيرة تبين جيشاً جراراً في الطريق بهدف تسوية المدينة بالأرض، هذا هو المقال ..

دع عنك عبد الله ناكر وأخباره، واعتصام ميدان الشجرة وميدان الجزائر، وأخبار اشتباكات المجالس العسكرية، وأزمة السيولة، وتخبط المجلس الوطني، ومشكلة النازحين، وانقطاعات الكهرباء، ومسودة قانون الانتخابات، وغلاء الأسعار، وأداء الحكومة المؤقتة، ومغامرات الجرحى خارج البلاد، والمتسلقين، والطابور الخامس، و .. و .. و .. دع عنك كل هذا وتعال ندخن هذا الـ”سبسي” الذهني معاً ولنفكر قليلاً ..

كما يعلم الجميع، امتد تأثير الربيع العربي إلى ما وراء الحدود الإقليمية للبلدان الست المعروفة: تونس، مصر، ليبيا، سوريا، اليمن والبحرين، ليظهر على شكل تغييرات اقتصادية أو سياسية أو حتى حقوقية في دول أخرى كالمغرب والأردن والسعودية والجزائر وسلطنة عمان، بل وحتى قطر، حيث أدرك الجميع أن قواعد اللعبة التي تحكم علاقة الحاكم بالمحكوم قد تغيرت، وأن شباب الفيسبوك اللعين لم يعد يرضى بأن يعطي “تعظيم سلام” للحاكم بأمر الله مهما كان شكل حكمه، وأنه قد بلغ من الصفاقة حداً سمح له بالمطالبة بحريته في التعبير وتشكيل الأحزاب السياسية و الحصول على حصة عادلة من ثروة البلاد التي غالباً ماتغيب في جيب الحاكم العامر بالمشاريع “الخيرية” ورعاية “دور الأيتام” في سويسرا .. إلا أن النتيجة الأبرز لهذا الربيع – من الناحية الجيوسياسية على الأقل – هي صعود “الإسلام السياسي” أو الحركات السياسية ذات المرجعية الإسلامية إلى سدة الحكم في كل من المغرب وتونس ومصر، الأمر الذي سيتكرر بحذافيره – حسب تقديري – في ليبيا التي أثبتت على مر العصور شدة ارتباطها بما بحدث في دول شمال افريقيا، وأن الحمى التي تسري في أي جزء من هذا الإقليم تنتقل بالضرورة إليها، وخصوصاً إذا أخذنا في عين الاعتبار تربعها على موقع جسر العبور بين مشرق الوطن العربي ومغربه، أمرٌ بدى واضحاً وجلياً في بداية العام الماضي عندما انتقلت عدوى الحرية من تونس إلى مصر ثم إلى ليبيا، نذكر هنا أن الجزائر سبقت الجميع في بداية التسعينيات عندما اكتسحت “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” الجولة الأولى للانتخابات التشريعية، الأمر الذي دفع الجيش الجزائري وقتها إلى إلغاء الانتخابات وجر البلاد إلى حمام دمٍ مفزع أوقع أكثر من 100 ألف قتيل .. يبدو أن المجازر تحصل دائما بالجملة في الجزائر ..

استجابة الغرب لهذا التغير الذي طرأ على الخارطة السياسية العربية جائت مثاليةٌ أكثر من اللزوم، حيث رحبت دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة بوصول الحركات السياسية ذات المرجعية الإسلامية إلى السلطة مادامت قد جائت عن طريق صناديق الاقتراع، وعلى اعتبار أن هذه الدول تحترم إرادة الشعوب لأنها دول “راعية للحريات والديمقراطية” في العالم، وكذلك لأن هذه الحركات تعتبر أهون الضررين من وجهة النظر الغربية، وأن قمعها قد يؤدي  إلى بروز الوجه الأقسى للحركات الإسلامية الأصولية والمتمثلة في تنظيم القاعدة وما على شاكلته، كما أن الحركات الإسلامية التي وصلت أو تحاول الوصول إلى السلطة قد قامت باتباع سياسة جدتي – أطال الله عمرها – الشهيرة “شي من الحنة .. وشي من رطابة الإيد”، وسهلت مهمة الغرب – المتوجس دائماً – في إصدار هكذا رد فعل، فعدلت من استراتيجياتها و أظهرت وجهاً أكثر اعتدالاً وتقبلاً للآخر، فأبدت استعدادها لاحترام الحريات الفردية، وذلك لطمأنة الفئة “الليبرالية” بالمجتمع كما هو الحال في تونس، الأمر الذي أكده أيضاً الإخوان المسلمون في مصر الكنانة، بل وتعدوه إلى إشراك بعض الأقباط في قوائمهم الانتخابية “الإسلامية”، والتعهد باحترام معاهدة السلام مع اسرائيل، بحيث تتجنب هذه الحركات الدخول في صراعات جانبية من اليوم الأول لولادتها، وتعطي لنفسها الفرصة للقيام بالإصلاحات الداخلية داخل حدودها القطرية المعروفة، وذلك تماشياً مع فقه الأولويات الذي يضع في أعلى القائمة مشاكل الفساد والبطالة والاقتصاد والصحة والتعليم وغيرها، واتباعاً لاستراتيجية جديدة في إرساء دعائم شريعة الله في الأرض

كل هذا جميل ومنطقي، لكن بعض التوقعات المنطقية بعيدة المدى مطلوبة أيضاً، فمع افتراض أن هذه الحركات قد نجحت فعلاً في إرساء دعائم مجتمعات ديمقراطية داخل دولها، وتمكنت – بالتبعية – من تكوين دول متقدمة تتميز بقوة الاقتصاد والتعليم، تتمتع فيها الحكومات المتعاقبة بثقة الشعوب وتستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع الشفافة، وتشكلت فيها جيوش قوية تدين بالولاء للشعوب وليس لحكامها، حينها – ومهما طال الزمان – سيلتفت العرب بالضرورة إلى جرحهم النازف وإلى عذرائهم المغتصبة، بلاد المقدس التي تنظر إليهم بعين كسيرة ودمعة ساخنة على خد امرأة عجوز ترك الاحتلال آثاره على تجاعيدها متسائلة “إلى متى..؟؟” .. سيلتفت العرب وقتها إلى عدوهم وقضيتهم، ستسحب الأقسام وتذخر المدافع، ويأتي وقت التحرير .. فهل سيتفرج الغرب؟

هل سيقف الغرب موقف “شاهد ما شافش حاجة”؟ .. هل سيتفرج على العرب “المتخلفين الرعاع” يهاجمون إسرائيل “المتحضرة” سعياً لطرد اليهود المساكين منها؟ .. وحتى بعيداً عن موضوع إسرائيل، هل من المتوقع أن يترك العالم ثلثي الاحتياطي العالمي للنفط في أيدي العرب والمسلمين دون تحكم؟ .. الإجابة المنطقية هي النفي طبعاً، المنطق أيضاً يقول أنني لست “المفتح” الوحيد في الدنيا، وأن تحليلات كهذه لم تغب عن خبراء السياسة في بلاد “الكفار”، وأنهم أيضاً لن يتبعوا سياسة جدتي “الي توحل فيه دبرله” فيقفوا مكتوفي الأيدي والأرجل في انتظار تسليط سيف العروبة على رقبة أحفاد (تيودور هرتزل) ليبدأوا التفكير في الحل، وأن من السذاجة افتراض أن أجهزة الاستخبارات الغربية تتكون من حفنة من الأوغاد الذين يشربون الجعة صباحاً مع البسكويت، بل إن الخطط الاحترازية لمنع هذا قد وضعت وبدأ تنفيذها بالفعل، وإليكم السيناريو ..

لقد أدرك الغرب أن عهد التحكم المباشر في بلادنا عن طريق عصابة الدكتاتورية العربية قد ولى كما ولى عهد المسلسلات المكسيكية، وأنه لا مناص من التأثير على صناع القرار العربي بشكل جديد ومختلف، يكون بإطلاق قوة جديدة في المنطقة وتلميع صورتها أمام الشعوب، فتصبح هذه القوة بمثابة الأب الروحي والمثل الأعلى في الاقتصاد والسياسة والعدل، أتحدث هنا طبعاً عن دولة قطر، مثال مبهر من الناحية المدنية، تتمتع بسمعة عالمية تؤهلها لاستضافة كافة الأحداث المهمة بما فيها نهائيات كأس العالم لكرة القدم، وإطلاق يدها لتقود الدول العربية – رغم صغر المساحة وفقر الموروث القيادي – إلى حل النزاعات واتخاذ مواقف مؤثرة في الكثير من القضايا كقضية الثورات الليبية و اليمنية و السورية، واتفاق السلام بين الحكومة السودانية وحركة دارفور وغيرها من القضايا التي عملت الحكومة القطرية عليها بعد الحصول على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها “بريك بوعمامة”، أما من الناحية الدينية، وبالرغم من عدم اتباع السلطات القطرية لمنهج تطبيق الشريعة داخل بلادها، فإنها قد دعمت بقوة إنشاء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برئاسة الدكتور يوسف القرضاوي، وتدعم حالياً – بشكلٍ لا يخفى على أحد – الحركات السياسية الإسلامية الصاعدة إلى السلطة في المنطقة، الأمر الذي تسعى من خلاله قطر إلى الحصول على ولاء هذه الحركات، فتصبح بذلك شيخ المنطقة الجديد، مستغلة تراجع أدوار دول الطليعة العربية كمصر والسعودية ومن قبلهما العراق، أو كما تقول جدتي “غيب يا قط .. ألعب يا فار”، ومستفيدة من القوة الناعمة التي تملكها والتي تتمثل في كل ما سبق بالإضافة إلى قوة الإعلام المتمثل في شبكة قنوات الجزيرة،  ليلعب الشيخ حمد بن خليفة ذات الدور الذي كان يلعبه شاه إيران بعد الحرب العالمية الثانية، ويضرب سرباً من العصافير بذات الحجر، فبفضل هذه الاستراتيجية تمتد أذرع بلاده السياسية كأخطبوط يصل إلى كافة بلدان المنطقة، فيزداد نفوذه ليسجله التاريخ كرجل حول شبه جزيرة تكاد بالكاد تظهر على الخارطة إلى قوة إقليمية يحسب لها الجميع ألف حساب، الأمر الذي سيكون له مردوده الاقتصادي أيضاً، وفي الوقت ذاته يمنح منفذاً للإدارة الأمريكية للتأثير على صناع القرار الجدد بالمنطقة عبر القناة القطرية ، بحيث تتحقق المصلحة المشتركة للطرفين، فيستمر تدفق النفط العربي اللازم لتدفئة الشتاء والمشاعر الأوروبية، ويظل “شعب الله المختار” يستمتع بالزيتون الفلسطيني دون مضايقة تذكر.. طبعاً من المكرر ذكر أن الاستخبارات الغربية قد جندت بالفعل عملاء وجواسيس لها على الأراضي العربية بما فيها ليبيا، ومن السذاجة افتراض غير ذلك ..

أعرف أن الكثيرين سيخالفونني في الرأي والتحليل (وهذا حقهم)، وأن آخرين سيهاجمونني وسينعتونني بكافة الصفات التي ستبدأ بالجحود وقلة الأصل لعدم العرفان لجميل قطر الذي سنحمله في أعناقنا طوال العمر (وهو مالم يحدث)، ولن تنتهي باتهامي بأنني إخواني أو علماني أو غيرهما – وهو مالا يهم مادام وزني الانتخابي لا يتعدى صوتي الوحيد الذي سأعطيه لمن أراه الأصلح لقيادة البلاد في المرحلة القادمة – ولكنني أطلب من هؤلاء التفكير في الاستقلالية الفعلية للسلطة القطرية عن تأثير الحكومة الأمريكية إذا كانت قاعدة السيلية – التي استخدمت لتزويد الجيش الإسرائيلي بشحنات من القنابل الذكية أثناء الحرب على غزة – تحتل قطعة لا بأس بها من الأراضي القطرية، والاطلاع على الأسباب الحقيقية التي أدت إلى طرد أمير قطر من موريتانيا خلال زيارته الأخيرة، والدور غير الحيادي الذي لعبته الجزيرة ومن خلفها قطر في قمع الثورة في البحرين، كما أدعوهم للسؤال عن الدور الذي تلعبه قطر مع بعض الجهات في ليبيا دون علم المجلس الوطني الانتقالي أو الحكومة المؤقتة وعن سبب دخولها من الباب الخلفي هذه المرة، و أخيراً أدعوهم أن لا يمتد سبابهم وحنقهم إلى جدتي .. أطال الله عمرها ..

والسلام عليكم

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

رجال .. وأشباه رجال ..

في القوم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، لاحقوا الموت قبل أن يلاحقهم .. التفتوا إلى الوراء، رأوا عرضا مهدداً فرفعوا البنادق والهامات .. رجال دفنوا دمع أطفالهم، وصراخ ثكلاهم .. هجروا الآمال والذكريات، وفنجان القهوة الصباحي من يدٍ مجعدةٍ حبيبة .. انتظروا “عزرائيل” على الناصية ليسألوه “ما حقيتش معمر؟” .. افتدوا الوطن بالحياة وبالممات .. فجاوروا ربهم إحساناً وإكراما ..

في القوم محمد نبوس .. والمهدي زيو .. وراف الله السحاتي .. ومحمد علي المدني .. ومحمد الحلبوص .. ومصطفى القن .. ومصطفى بن دردف .. وفخري الصلابي .. وغيرهم.. جبال يُشبّه بهم الأبطال، ربطوا إبليس ليبيا في مزبلة الطغاة .. جلسوا على فوهة التاريخ وأشعلوا الفتيل والهمم .. فغيروا وجه ليبيا إلى الأبد ..

وفي القوم رجال ربطوا أرجلهم في الخنادق موتاً .. “مرحب بالجنة جت تدنى” .. اشتموا رائحة تراب الوطن لمرة أخيرة .. لمرة مريرة .. فكانوا رجال الله في الميدان .. وكانوا حماة الأرض والعرض والإيمان .. وكانوا من قبّلنا الأرض تحت نعالهم .. وفوق قبورهم .. فبعزهم كبّرنا، ولأجلهم صلينا .. دوت مدافع جهادهم على تخوم جهنم فأيقنّا أن النصر صبر ساعة، وأن الحرية وراء الباب .. وشرع أحدهم في إعداد سلاحه متمتماً  “جايينك جايينك .. في عقر دارك إن شاء الله” .. نام الأطفال آمنين تلك الليلة ..

وفي القوم نساء شمرن السواعد فكن مصدر القوة في لحظات الوهن، ومنبع الإصرار في لحظات التقهقر، وكن خير السند والمدد، وكن من وقف ونادى وتظاهر و سهر وبكى .. كن في نالوت، أمٌ ابتلعت دمعها والحزن، ووقفت مع الملائكة على جثة فقيدها ووليدها، تودعه بالزغاريد والتكبير .. وكن في اجدابيا، عجوز تبنّت كل الثوار، فأطعمتهم وآوتهم بعد أن حجبت القذائف شمس الصحراء عن بيتها المتهالك، قبلوا يدها فقبلت رؤوسهم ودعت لهم “تربحوا .. الله ينصركم” .. وكن في جالو، الحاجة “فاطمة الحداد” التى وقفت عند الباب الصديء مودعة  أبنائها الأربعة و اثنين من أحفادها إلى جبهة القتال، كجبل من القوة والصمود أمسكت بيد أكبرهم، وبصوت ثابت قالت:

يا تريس راكم تذلوا .. يا رابطين الحزامي ..

والقول وراكم يعلوا .. والموت راهي قسامي ..


غرق الوطن في الدموع وفي الدم أشهراً عشرةً مريرة الطعم والذكرى، تعرفنا فيها على ليبيا لم نكن نعرفها، علي طرفي النقيض شهامة وخسة .. أبطالٌ و ذئاب .. رجالٌ و أشباه رجال .. كشف القدر عن وجه شديد البشاعة والقبح لآلافٍ باعوا أرواحهم وضمائرهم لشيطان رجيمٍ جداً، هتفوا كالأغنام بحياة شخص امتص دمهم لعقود طويلة .. آلافٌ ممن أحبوا خانقهم واتبعوه اختفوا من على وجه البسيطة كأن لم يكونوا، أنكر الجميع وجودهم بالأساس، وكأن القذافي كان يقاتل وحده، ويغتصب وحده، ويتظاهر ويهتف وحده .. تشبثوا بحكم عائلة فجرّوا البلاد خلفهم إلى مستنقع موحل لا مناص منه .. هتفوا كفراً، ففعلوا كفراً .. هؤلاء في القوم ..

الله لا يسامحكم ..

أحمد بن موسى

 Follow me on twitter: @Ben_Mussa