بترول .. بنكهة القعمول ..

 على غير عادتي سأبدأ في الموضوع مباشرة ودون مقدمات أو عبارات فخمة تسعى لجذب القاريء، فالقضية لا تحتمل الكثير من البلاغة أو المحسنات البديعية، ولا تحتمل الكثير من التأخير كذلك ..

إنه ونتيجة للسياسة الجديدة التي فرضتها ظروف ما بعد الثورة على الحكومة الليبية عامة، وعلى المؤسسة الوطنية للنفط على وجه الخصوص، والمتمثلة في المطالبة الشعبية بتطبيق مبدأ الشفافية في إدارة دوائر الدولة عموماً، وبالتحديد في إدارة الموارد الوطنية والمصروفات، فقد قامت المؤسسة بنشر تقرير مبيعاتها للنفط الخام لشهري نوفمبر وديسمبر من هذا العام على موقعها الإلكتروني، ويوضح التقرير كل التعاقدات المبرمة مع العملاء من حيث الكميات المباعة، والأسعار التي فرضها السوق الدولي في كل صفقة، وتاريخ الدفع الخاص بكل شحنة، بإجمالي كلي يصل إلى حوالي 2.5 مليار دولار، في سابقةٍ لم يرى الشعب الليبي لها مثيلاً على مر عقود الظلام القذافية الأربعة، وبشكل يبشر بانتهاء عهد الظلم والظلام وبدء عهد الصدق والشفافية، تحقيقاً لمباديء ثورة 17 فبراير المجيدة ووفاءً لدماء الشهداء والجرحى و نكايةً في الطابور الخامس .. و .. و .. و ..

حسناً، انفض عنك الأحلام الوردية وتكبيراتك العالية وتعال نتحدث بلغة الأرقام التي يعرفها الجميع، والتي يبدو أن مؤسستنا العريقة افترضت أننا نجهلها، أو افترضت أننا مجرد قطيع من الجهلة الذين لا يجيدون سوى الصياح والهتاف والجلوس خلف فوهات المدافع وربما الاعتصامات من وقت لآخر، وأن تمننهم على هذا القطيع بمثل هذا التقرير الهزيل والمليء بالثغرات سيجعلنا نصفق ونهلل لـ”خبرائنا” الأفاضل لأنه “كثر خيرهم الي داروا هكي”، على اعتبار أننا شعب ساذج يرضى “باللي يقسمه ربي” ..

يتحدث التقرير عن معدل مبيعات يومي بمتوسط قدره 222,000 برميل\اليوم في شهر نوفمبر و 570,000 برميل\اليوم في شهر ديسمبر، وذلك بفارق عن معدلات الإنتاج المعلنة يقدر بحوالي 578,000 برميل\اليوم في نوفمبر و 430,000 برميل\اليوم في ديسمبر، وبفارق إجمالي يبلغ أكثر من 30 مليون برميل على امتداد الشهرين المذكورين، وهو أمر يمكن تفسيره باحتمالين، فإما أن المؤسسة عاجزة عن تسويق وبيع الكميات المتزايدة من النفط المتدفق من حقولنا المختلفة نتيجة لسوء تخطيط أو قلة خبرة بأساليب وآليات تسويق النفط الخام ومشتقاته، الأمر الذي يستدعي إقالة إدارة المبيعات وتغييرها على وجه السرعة، أو أننا ببساطة نفترض اختفاء كميات من النفط تساوي 3.3 مليار دولار من خزينة الدولة لأغراض لا يعلمها إلا الله والحكومة الموقرة، الأمر الذي يدق ناقوس استنساخ الماضي بحذافيره القبيحة، والذي يستدعي أن تمتد الإقالة – ومعها التحقيق – إلى رئيس المؤسسة ووزير النفط، ومن ورائهما رئيسا الحكومة المؤقتة و المجلس الوطني الانتقالي جملة واحدة، وذلك لضمان عدم تكرار التلاعب بمقدرات البلاد والعباد، وإحقاقاً لمبدأي الشفافية والعدالة الذين سكن آلاف الشباب القبور من أجلهما .. يبقى دائماً الاحتمال الثالث المتمثل في أن بيانات معدلات الإنتاج التي أصدرتها وتصدرها المؤسسة الوطنية للنفط هي بيانات مغلوطة وتفتقر إلى الصحة والمصداقية، ولك هنا أن تشطح بخيالك في تأثير هذه الخروقات على مصداقية الدولة ككل، وعلى رابط الثقة بينها وبين المواطن في كل القطاعات الأخرى كالصحة والتعليم وإعادة الإعمار وغيرها .. يجدر بالذكر أن تقرير المؤسسة ألحق ملاحظة تذكر أن مبيعات شركة الخليج العربي للنفط غير مضمنة في التقرير لأسباب قد تقع تحت نفس التصنيفات الثلاثة السابقة، أو لأسباب أخرى، مصادري بشركة الخليج تتحدث عن معدلات إنتاج يومي تتراوح بين 230,000 برميل\اليوم في نوفمبر و 270,000 برميل\اليوم في ديسمبر ..

سخرية القدر اقتضت أن يجري اعتصام تصحيح المسار والمطالبة بالشفافية بميدان الشجرة في بنغازي بجانب مبنى مؤسسة النفط بالمدينة، وتذكرت أثناء كتابة المقال إحدى الشعارات التي رفعت في الاعتصام “خسارة يا بلاد البترول .. ضناك يبيعوا في القعمول” ودعوت ربي أن تهطل الأمطار بغزارة، وأن يكون ربيعنا القادم مخضراً لأنه يبدو أن بيع القعمول سيستمر لفترة أطول من المتوقع ..

والسلام عليكم

أحمد بن موسى

للاطلاع على التقرير بموقع المؤسسة الوطنية للنفط:

http://www.noclibya.com.ly/index.php?option=com_docman&task=doc_view&gid=588&Itemid=34

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Advertisements

من بنغازي إلى طرابلس .. التوازن والاتزان

ها أنا أدخل غير مرغم إلى حقل ألغام شديد الخطورة والانفجار، بسببٍ أو بدون سبب أستل قلمي وأوراقي وبعض الأفكار وأعرف أنني أكتب ما سأندم وأعتذر عنه لاحقاً، فكما عُرف عن بدو الصحراء الشرقية استخدامهم للحمير – حشاكم – كاختبار خلو من الألغام لأي أرض يدخلونها للمرة الأولى، سأعتبر نفسي أول الحمير – حشاكم برضو – وأكتب ما يلي آملاً تفادي الانفجارات وآملاً أن أجد في نفسي ما يكفي من الشجاعة للنشر لاحقاً ..

يعرف الجميع أن بنغازي كانت على طول تاريخ ليبيا الحديث المشاكس الأول – وليس الوحيد – لحاكميها، وأن طبيعتها كبوتقة تصهر كافة ألوان وأطياف الشعب الليبي جعلت منها “ثرمومتر” المزاج السياسي الوطني بامتياز، فصارت مقياس سعادة أو احتقان الشارع الليبي، وكما كان يقول الملك ادريس رحمه الله “كان بنغازي متريحة .. معناها ليبيا كلها متريحة”، وذلك نظراً لتداخلها وتشابكها في النسيج الاجتماعي لكافة ربوع  البلاد، واختلاط الدم الليبي من كافة المناطق في هذه “السبخة” الرائعة .. رباية الذايح ..

غير أن بنغازي –وبرقة من حولها- لم تدرك عند قيام انقلاب القذافي المشؤوم أن قواعد اللعبة اختلفت وأن الخصم الجديد يضرب فوق الحزام وتحت الحزام، وبالحزام أحياناً، وأنه ينتظرها بعد كل مباراة ليكسر عظامها كذلك، الأمر الذي ألقى بظلاله على علاقة المدينة ومن حولها المنطقة الشرقية والجنوبية الشرقية – بطبيعة الحال – بالعقيد والتي تحولت شيئاً فشيئاً إلى حب لدود وضرب موجع من الطرفين، استخدم فيه النظام كل ما أمكن من إعدامات علنية و هدمٍ لمعالم المدينة وتوزيع الموت على نزلاء مستشفى الأطفال لإخضاع المدينة والمنطقة من بعدها، بالإضافة إلى السلاح الأهم و الأكثر فعالية على المدى المتوسط والبعيد، الاقتصاد ..

قام النظام بإمساك المنطقة الشرقية من ذراعها الأكثر إيلاماً، فمارس سياسة إخضاع اقتصادي موجهة، بغرض تركيع المدينة  وما جاورها والحد من تحركاتهم التي لن تصب في مصلحته بأي حال من الأحوال، هاجر اقتصاد البلاد شيئاً فشيئاَ نحو غربها، وصار نفط ليبيا ينتج – في معظمه – في شرق البلاد لينفق في غربها، وصارت ضرائب المشاريع المقامة في درنة – على ندرتها – تدفع لخزانة ضرائب العاصمة، وصار الرجل في اجخرة – التي ترقد فوق بحر من النفط – يضطر إلى السفر إلى بنغازي لجبر يده إن كسرت، دون أن يشفع له أن واحته الصغيرة تضخ ذهباً بسواد ليلها لأكثر من نصف قرن من الزمان، ودون مقارنتها بقرية مماثلة في غرب أو جنوب البلاد كـ”تراغن” مثلاً، مع فارق الانتاج النفطي، والانتماء طبعاً ..

ومن المعروف أن القذافي قام بشكل منظم بمحاولة تركيع المنطقة التي ظلت على مر سنين حكمه الخصم الأول إلى جانب “الرجعية والامبريالية” والتان سقط النظام دون أن أفهم كنههما، فأحبط مراراً وتكراراً مقترحات إقامة المشاريع التنموية والإسكانية و غيرها في الإقليم الذي داوم على إنجاب “الكلاب الضالة”، وقصة “بنغازي لا تستحق” التي كتبت رداً على مقترح شركة الخليج العربي للنفط إنشاء مصفاة للنفط بضواحي المدينة معروفة لدى الوسط النفطي، بل تعدى الأمر ذلك إلى محاولة نقل الشركة –وهي أكبر منتج للنفط في ليبيا- إلى العاصمة، لتنضم إلى نادي الشركات النفطية التي تدير من أقصى غرب البلاد حقولاً وموانيء نفطية تقع في أقصى الشرق، أضف إلى ذلك المركزية العنيفة التي مارسها النظام بحق الشعب، فصار كل مستند يراجع في طرابلس، وكل شهادة تعتمد في طرابلس، وكل مشروع يوقع في طرابلس، وصار الحج إلى طرابلس فرض عين إن أردت الحياة على تراب الوطن، وصارت الهجرة إلى العاصمة ديدن كل من يطمح في عيش كريم أو شبه كريم، فالعمل والمال في العاصمة، والمشاريع في الغرب، ولشرق وجنوب البلاد البطالة والكساد الاقتصادي وفناجين الشاي التي لا تنتهي

إن ما حدث في هذه الثورة حطم بشكل نهائي صنم القمع وتكبيل الأفواه الذي نحته القذافي باحتراف، وأصبح لزاماً على أي حكومة قادمة أن تفهم أن تركيز كل إمكانات البلاد في يدٍ واحدة لن يؤدي إلا إلى المزيد من الظلم والخراب والفوضى، وأنه من الواجب إحداث نوع من التوازن بين أقاليم البلاد الثلاث، بشكل يتحقق معه شكل من أشكال العدالة في تنفيذ برامج ومشاريع التنمية، وذلك بتوزيع منطقي وعادل لمؤسسات الدولة ووزاراتها بين طرابلس وبنغازي وسبها، وتجنب المركزية بكافة أشكالها، مع مراعاة المحافظة على كينونة طرابلس كعاصمة لليبيا الموحدة، وذلك وفائاً لأنهار الدم التي سالت في سبيل القضية والوطن، مما يمهد لاستفادة كافة الليبيين من موارد وخيرات بلادهم، الأمر شديد الخطورة والأهمية، فالشعب الذي خرج يوم 15 فبراير، سيخرج في تواريخ أخرى .. إن اضطره الأمر لذلك ..

 

م. أحمد بن موسى

هنـاك حيــث كُنّـا ..

صباح قاتم توارت به الشمس وراء الغيوم تكاسلاً .. برد نوفمبر شديد الرطوبة ينال من عظام التلاميذ هزيلي البنية .. المصباح المعلق على يسار الفصل يحتضر ويومض بشكل مستمر .. المعلمة المكتنزة ملطخة الوجه تنظر إلى الأطفال بعصبية وتشرح “مؤتمرات شعبية تقرر، ولجان شعبية تنفذ” .. الأطفال يركزون بشدة ويدونون ما أمكن لإثبات أن “الانعتاق النهائي للبشرية” جاء على يدي “المفكر الأوحد” .. يكرر الأطفال ماتقوله المعلمة محاولين فهم نظام سيريالي فرض نفسه عليهم في الحصة الثالثة .. وفي الطريق إلى البيت تسأل “هبة” أمها “ماما .. كيف انعتاق نهائي و خالو محبوس عند معمر؟” تنهر الأم طفلتها وتسارع الخطى .. ودمعة تتشكل في عينيها .. هناك حيث كنا ..
هناك حيث كنا .. تجمع كبير للعديد والعديد من الرجال والنساء متوسطي التعليم .. المدرج ضخم واللافتات في كل مكان .. لا مجال لاختلاف الأهداف والتوجهات هنا فعبادة القائد هي منهج الجميع، والفكر الأخضر هو حل مشاكل البشرية كلها .. وثيقة عهد ومبايعة .. باقات الورود الضخمة تزف .. والكثير من العرق والهتاف والتلويح الهستيري .. مشهد يعبق بالنفاق إلى حد الزكام .. أشعر بالقيء يتصاعد في بلعومي ……..
هناك حيث كنا .. يصحو حسين على صوت مؤذن الظهر من نوم ثقيل لا داعي منه ولا مفر منه كذلك .. ينظر حوله ليكتشف أن حشيش البارحة دفعه للنوم في غرفة الاستقبال الضيقة .. يتأمل وجهه في المرآة كأنه يراه للمرة الأولى، يقرأ في عينيه جبالاً من اليأس والسأم .. فالمقابلات والوساطات و الطوابير الطويلة تحت رحمة الشمس لم تزده إلا اقتناعاً بأن شهادته الجامعية وأسفاره التي يحملها لا معنى لها وسط هذا الركام من الفوضى الإدارية والكساد الاقتصادي .. يقف عند ناصية الشارع ليصطاد سيجارة من أحدهم لعل الوقت يمضي .. ولعل اليوم يكون أفضل مما سبقه .. في هذا الزمان والمكان يكون البعد الرابع أفقياً مترامي الأطراف، فلا أمس ولا اليوم ولا غداً .. يسبح حسين في دوامة من فقر الفكر .. وفكر الفقر .. فهل من غدٍ أفضل؟
هناك حيث كنا .. يجلس سالم وحيداً مشعث الشعر في مربوعة بيت العائلة  .. يلتقط إحدى الأوراق المبعثرة على الأرض ويضعها على الطاولة أمامه .. يخط بضع كلمات بعصبية زائدة “المستقبل مظلم، النظام استبد والفساد لم يترك لنا مجالاً لنتنفس” .. ينظر إلى الورقة باعتزازٍ لدقائق كمن حقق للتو إنجازاً يستحق التقدير .. ثم يقوم بتمزيق الورقة إلى قصاصات صغيرة .. يحرقها .. ويبعثر الرماد في سلة المهملات .. يلتقط معطفه ويخرج من البيت .. يمشي في الشارع الخالي ويلتفت حوله يميناً ويساراً .. فمن يدري ؟
هناك حيث كنا .. الأرزاق والأعمار والأقلام والأقدار تصادر بختم أخضر  .. وببضعة دنانير ..  .. الشرفاء والمتعلمون والمثقفون انزووا في ركن غير ظليل تأففاً من مشهد يثير الاشمئزاز .. ومجنون يحتكر السلطة والعصمة والصواب .. وأبنائه يختزلون البلاد والعباد في جيوبهم العامرة بما لذ وطاب من المشروبات والحفلات والنساء .. والرجال أحياناً ..
هناك حيث كنا .. وضع النظام صورة نمطية لكل الليبيين داخل البلاد وخارجها .. على شاشات التلفاز وفي وسائل الإعلام .. فالليبي دائما منكش الشعر عالي الصوت .. ضحل ولا يملك من الأفكار سوى ما كتبه له سيده في رسالة التكليف “الله ومعمر وليبيا وبس” .. اسم القائد مكتوب بالخط العريض طبعاً لتجنب السهو واللهو والنسيان والتناسي .. الليبي لا يفقه سوى أنه يعيش في جنة بالإكراه .. وأنه يملك سلطة وثروة وسلاحاً .. والملك لله طبعاً..
هناك حيث كنا .. وضع المفتي في درج الأمانة .. وأفتي العقيد بجواز الخيانة .. فمن خالف آل سعود في صيام أو قيام فله جنة عرضها كعرض شقق مشاريع الإسكان العام .. والرسول صلى الله عليه وسلم في نظر القيادة “مجرد ساعي بريد” .. والقائد رعى الغنم لأن “كل الرسل رعت الأغنام” .. والمعوذتين و”الإخلاص” يتم تغييرهما بقرار ثوري .. الحق منقوص ومقلوب ومعدل .. وشهادة الزور حلال مادام القائد من وراء القصد .. والرضى بجهنم يؤدي بك إلى جهنم ..
هناك حيث كنا .. رائحة المطر تنذر بليلة قارصة البرودة .. وسكون الليل الثقيل يحاول جاهداً إخفاء الحقيقة ..  صوت وقع بعض الأقدام على الأرض الموحلة .. ضربات مكتومة على باب أو ما شابه .. رجل معصوب العينين يجر بملابس النوم .. وامرأة تأن بفاه مكمم .. سيارات تسرع إلى مصير لا عودة منه .. فيشق بكاء طفل السماء قبل الفجر .. يطفيء العميد سيجارته العاشرة تلك الليلة ويكتب في مذكرته ..” الأحرار نقصوا واحداً” .. ثم يبيع علب الفضيلة في الصباح بالمجان .. هناك حيث كنا ..
أحمد بن موسى
https://www.facebook.com/sreeb.benmussa
Follow me on twitter: @Ben_Mussa
ahmed.benmussa@yahoo.com

القذافي في الدوحة ..

رغم إن كل شعوب العالم لا تعرف ما سيحدث في المستقبل ، إلا أن شعبنا قد انفرد بأنه لا يعرف ماذا يحدث الآن، ناهيك عما سيحدث غداً، ويبدو أن الطين صار وحلاً بعد هطول أمطار خير الثورة، فالمواطن البسيط الذي تربى طيلة السنين الماضية على ليبيا صامتة ساكنة، لا يسمع فيها سوى صوت العقيد ودقات قلبه، وربما صوت ماكينة المكياطة في الصباح، وجد نفسه – فجأة – وسط كرنفال إعلامي لم يعتده ولم يستعد له كذلك، ففي غضون أشهر تكاثرت الصحف والمجلات وقنوات التلفزيون والراديو بكافة أشكالها وتوجهاتها، ورغم قلة الخبرة والحرفية الواضحة، إلا أن صدق النوايا أنبأ بأن لبنة مشهد إعلامي متطور قد وضعت، وأن نظام إعلام الاتجاه الواحد قد اختفى إلى الأبد، أو كاد ..

ونظراً لطبيعة المواطن الليبي والعربي بصفة عامة، والتي تميل إلى تلقي المعلومة من أكثر الوسائل تلويناً وتزيناً بالصور والموسيقى، فإن التلفزيون يتربع دائماً على قمة عرش الإعلام دون منازعة من أحد، وفي بداية الأزمة، كانت قناة ليبيا الأحرار – والتي تبث من الدوحة – قد اتخذت لنفسها مكاناً في أعلى الهرم الإعلامي الليبي، والذي كان له كبير الأثر في صد سيل أفاقي القذافي، والذين توعدوا “الجانب الآخر” بجيش الثوار المدجج بجنود من قطر، والذي يرفع علم إسرائيل، ويبشر بالمسيحية !!! قناة ليبيا الأحرار أخذت على عاتقها في مرحلة مبكرة إيصال صوت الحق بحناجر شبابٍ وفتياتٍ ليبيين تنادوا من كافة بقاع الأرض، تركوا أعمالهم ودراستهم، وعرض بعضهم عائلته لخطر انتقام وحش ليبيا المسعور، لبوا نداء ليبيا، استجابة لإعلان السيد “محمود شمام” على الفيسبوك، بهدف مساندة إخوانهم في الداخل، وبهدف رفع مشعل الحق الذي أوقده شهيد الكلمة “محمد نبوس” بدمه الطاهر، قصة نجاح جميلة كان من الممكن أن تروى كتاريخ تأسيس إعلام ليبيا الحديث، إلا أن ..

إلا أن القذافي قد قرر هذه المرة الظهور في الدوحة بصورة جديدة ومغايرة، فتمثل في هيئة مديرة القناة الجديدة “هدى السراري” التي صالت وجالت، وشكلت مثالاً متميزاً لسوء الإدارة والديكتاتورية والصفاقة وإحادية الفكر، والحديث في الموضوع يطول ويطول، فبداية القول أن السيدة “هدى السراري” تميزت بالوقاحة والفضاضة في تعاملها مع طاقم القناة من مذيعين وفنيين ومعدي برامج، وذلك باعترافها الشخصي في إحدى الاجتماعات حيث صرحت باللغة الإنجليزية “I know I’m rude” “أعرف أنني وقحة”، و أن سوء إدارتها للقناة كان فظيعاً، فلم تعقد في فترة “حكمها” للقناة اجتماعاً دورياً واحداً بعموم الموظفين، ورفضت بشكل مستمر تسجيل مواعيد حضور وانصراف الطاقم، ورغم ذلك واظبت على اتهامهم بالتسيب وقلة الانضباط وعدم التقيد بمواعيد العمل، ونجحت بشكل لافت في إدخال زوجها الجهبذ “مجاهد البوسيفي” بين البصلة وقشرتها، فصار الآمر الناهي في كل مايدور في جنبات القناة، من أفكار البرامج، واختيار الضيوف، وغيرها، بل تعداها الأمر إلى حد التصريح بأن “هذي قناتي” أمام الدكتور “محمود جبريل” ولفيف من شباب القناة، الأمر الذي ضرب وتراً حساساً لدى الدكتور الذي رد بقوة “هذه القناة ملك للشعب الليبي، وحتى المكتب الذي أجلس عليه ملك للشعب الليبي” ، بحسب شهادة الحضور ..

غير أن باكورة ما قامت به السيدة هدى كان في إصدار الأوامر لمساعدها المخلص “سراج البشتي” يوم 26-8 بالاتصال بالفندق للقيام بطرد مذيعتين من غرفتيهما بعد انتصاف ليل الدوحة، دون مراعاة لأي قواعد أو قوانين أو أخلاق أو حتى أعراف تنص على أن الشهامة الليبية المعروفة تحمي و تأوي المرأة الضعيفة وإن كانت غريبة، فما بالك بليبية حرة وقفت وقت حرب الإبادة لتضع اصبعها في عين قاتل الأبرياء وتقول له “يا كذاب .. في وسط عينه” على حد تعبير شهيدنا نبوس

إذاً القصة حدثت كالتالي، اجتمع عشرون من أبرز وجوه القناة من المذيعين ومعدي البرامج والفنيين، كان من ضمنهم المذيعة الرائعة والراقية شهرزاد –والتي تعرضت للاستبعاد عن برنامجها سابقاً من قبل هدى ورجعت تحت ضغط الجمهور- والمتميز جداً نبيل بالحاج، والمتألقين محمود الورفلي و محمد حواس و محمد محيسن  وغيرهم، تم عقد الاجتماع يوم 25\8 –أي بعد تحرير طرابلس- ووجهت رسالة إلى السيد محمود شمام، مفادها أن أوضاع العمل بالقناة مزرية إلى حد كبير، وأن مستوى القناة قد تردى بشكل فادح، وأنهم قد أخذوا على عاتقهم الاستمرار بالعمل رغم هذه الظروف إلى حين حسم معركة العاصمة، فلم يكن ديدن الفرسان يوماً الانسحاب من أرض المعركة وتولية الأدبار، وأعطيت مهلة للسيد محمود حتى يوم 1\9 لتلبية النداء والاجتماع بهم لتغيير مديرة القناة التي وصل الموضوع معها إلى طريق مسدود، فردت السيدة هدى دفاعاً عن “قناتها” ب”غزوة الفندق” يوم 26\8، الأمر الذي حرك نخوة طبيعية في نفوس شرفاء القناة فقرروا الإضراب عن العمل تضامناً مع اخواتهم اللاتي تم رميهن في الشارع، واللاتي تعرضن في السابق إلى كافة أشكال الإهانة والتلميحات الخادشة لشرفهن، بالإضافة إلى حادثة غامضة سرقت فيها شرائح الذاكرة والأقراص الصلبة الخاصة بهن من داخل غرفهن بالفندق

وطبعا ولأننا ليبيون، فإن الأخبار انتقلت من الدوحة إلى بنغازي وطرابلس بسرعة خاطفة، فتلقفها شباب الفيسبوك في الوطن المحرر، وتحت ضغطهم شكلت لجنة تحقيق أقرت بدورها بأخطاء الإدارة وقررت إقالتها في فترة لا تزيد عن الشهر، مع وجوب الاعتذار العلني للفتيات المتضررات، الأمر الذي لم يحدث طبعاً، بل ناقضه السيد محمود دفاعاً عن صديقة المدام المقربة جداً السيدة هدى بإصدار بيان أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه وقح، يتشدق فيه بنظريات المؤامرة والعمالة، وأن من ينتقدون القناة هم “من عملوا مع نظام القذافي” و أن حق النقد قد “وقع استغلاله لصالح أطراف أخرى”، وما إلى ذلك من التخريف الصديء الذي استعملته كل الأنظمة العربية في مجابهة احتجاجات الشارع، عملاً بالمبدأ القذافي المعروف “معي .. أنت جميل، ضدي .. أنت عميل”، ويتحدث عن ما حققته القناة في بداياتها، متخذاً مسلك المخلوع حسني مبارك “أمضيت عمراً في خدمة ….” ، وناسياً أن الثورة علمتنا أن نقول “على عيننا وراسنا .. شكر الله سعيكم” ، ثم يضع باكورة فن الإدارة على طبق من البلاستيك بإقراره بأنه “يتحمل المسؤولية كاملة” دون أن يستقيل من رئاسة مجلس الإدارة أو يقيل السيدة هدى من منصبها، وكأنه يقول “معلش يا جماعة، أمسحوها في وجهي”، وبكل شجاعة يمهر البيان بـ”رئيس مجلس الإدارة” دون ذكر اسمه، لتفادي ارتباط اسمه بهكذا فضائح، مستغلاً جهل الكثيرين بحقيقة أن شخصه الكريم هو رئيس مجلس إدارة القناة ..

أكتب هذا المقال في ذكرى مرور ستة أشهر على استشهاد الصديق البطل “محمد نبوس” والحزن يعتصر قلبي، وأتسائل .. أمن أجل هكذا إعلام ستكبر الطفلة مايا محمد نبوس دون أب؟ ..

قاتلكم الله ..

م. أحمد بن موسى

17 فبراير .. وماذا بعد ؟؟

إذا كان قدرنا كليبيين أن نهاجر من دكتاتورية إلى أخرى فإن أي حديث في هذا الشجن التاريخي يصبح عديم الجدوى وبلا معنى، وتصبح الدماء التي سالت في المدن والجبهات كأنهار الخمر التي أريقت في المدينة المنورة أيام البعثة، كثيرة ولكنها لم تسكر أحداً، فمن كان يحتكر السلطة والعصمة والصواب وفر أسباباً كافية للانقلاب عليه، وكان لقيصرنا ستة ملايين “بروتوس” يعيرهم ويقول لهم “هذي آخرتها؟؟” ، أمر طال انتظاره ويئس الكثيرون من حدوثه، فكان كغيث نزل بعد طول رجاء، لكن إن نجح ذات الفيروس في الانتقال والتأقلم بمهارة مع الوسط الجديد، فإن عقمنا الديموقراطي سوف يستمر، ويصبح المسلسل كوميدياً بامتياز، ويكون على كل ثائر أن يهيء نفسه لمن يثور عليه ولو بعد حين، ويصبح على المجلس الوطني أو المكتب التنفيذي أو غيرهما الحرص على عدم تقديم المنتج السياسي ذاته بشكل جديد ..

إن الضحية التي تتتلمذ على يد جلادها هي مشروع جلاد جديد يتفوق على من معلمه، ويتفادى كل أخطائه وهفواته السابقة، فيصبح المظلوم ظالماً، ويصبح القتيل قاتلاً، مما يجعل مقولة أن “بداخل كل منا قذافي صغير” شديدة الصحة والرعب، وتتغير “تحية الفاتح العظيم” إلى “تحية 17 فبراير”، وهكذا دواليك ..

لنوضح الموضوع أكثر: إذا كان التغيير يعني –بالنسبة للبعض- تداول السلطة بالسلاح وليس بشكل ديموقراطي سلمي، فإن الظافرين بها –ولو إلى حين- يعطون الحق –بقوة- للآخرين لكي ينقضوا عليهم بالطريقة ذاتها، فترجع الأمة للمربع رقم واحد، ويتكرر السيناريو التاريخي بحذافيره، ويصبح المسلسل مملاً  وسخيفاً إلى حد مأساوي، والأرجح أن هذه المتوالية لن تنقطع إلا بانقطاع أسبابها والتي تتغلغل في صميم الثقافة السائدة التي تغذي الأنا الخاصة بالمتحكمين بمقاليد الأمور عبر شبكة من المتملقين والمتسلقين الذين تتغير ألوانهم ولهجاتهم ببراعة وسرعة يحسدون عليها، ثقافة البطانة الطالحة هذه – والتي كانت تغذي نظام القذافي وكافة الأنظمة العربية – تنجح دائماً في إيصال الحاكم إلى حالة من النشوة تقنعه بانه يعرف كل ما يصلح للبلاد والعباد، سواء كانت توجهاته علمانية أو إسلامية أو ليبرالية، ليسرح ويمرح ويفرح، فتصير الأسرة الكريمة فوق الناس والقانون والسحاب، ويُسأل ولي عهده وسليل الأمجاد عن ليبيا فيجيب “هذي حوازة بوي”،  كما تقوم هذه البطانة بتغذية العامة و أفراد الشعب بأفكارٍ من قبيل “عيشني اليوم واقتلني بكرة” و “حتى هكي خير من بلاش”، وغيرها من إفرازات ثقافة التسول والرضى والدونية والانتهازية التي لا غنى عنها لتحقيق  التوازن بين ظلم الحاكم وذل المحكوم، وغنى المسؤولين وفقر الشعب

سيبقى سقوط الاشخاص وحتى الانظمة بمعناها الضيق الذي يستخدم الآن عديم الجدوى اذا استمرت المفاهيم ذاتها وجاء زيد أسوأ من عبيد، وبدلت الرمضاء بالنار أو العكس، فالعقلية التي أدمنت ادعاء العصمة واحتكار الحق والصواب يجب ان تسقط قبل سقوط رموزها ومن يجسدونها، لأنهم مجرد قطفة من مواسمها المتكررة أو طبعة من طبعاتها المتعاقبة، وإسقاط نظام بعينه دون إسقاط هذه الفكرة يصبح كعلاج أعراض طفح جلدي دون علاج سبب ظهوره أصلاً

هنا يتعين على كل من يمتلك شيئاً من القوة السياسية أو القبلية أو العسكرية في ليبيا أن يضع نصب عينيه حقيقة أن هذه الثورة تتفرد على مر تاريخ البلاد بكونها قامت واستندت على قاعدة شعبية عريضة كانت وستظل هي أساس كل شيء، ولم تكن ثورة شخص أو مجموعة لحق بها الشعب، وأن قياداتها هم كزبد البحر، لا حول لهم إن جف هذا البحر أو قرر ابتلاعهم، وأن الإرث الذي رسخه الحكام عبر السنين والقائم على فكرة أن “الأشياء تحدث لنا” قد سقط يوم سقطت أولى معاقل النظام في شرق البلاد، وارتفع مكانها شعار “الشعب يريد …..”، وعلى الجميع التعامل مع الوضع على هذا الأساس، وإلا .. فنحن بالمرصاد

م. أحمد بن موسى

الو يا سيادة المستشار .. !!

“الو .. يا حاج مصطفى .. كيف حالك؟ .. بالله سجلني عندك في القائمة .. أنا طابور خامس ومن أزلام النظام”

هكذا أتخيل مكالمة هاتفية بيني وبين المستشار مصطفى عبد الجليل بعد منتصف ليل طرابلس البارد “حبتين” والذي تدفئه من حين لآخر أصوات الأعيرة النارية وبعض القنابل التي يطلقها أحدهم على سبيل الاحتفال أوالاقتتال، ليضيف لمسة مكفهرة على سكون الليل الكئيب، و الذي يخالف وجه العاصمة الصباحي الجميل الذي تفوح منه رائحة القهوة والبريوش والازدحام، والذي اختفت عن ملامحه الظاهرة – على الأقل- الأسلحة الثقيلة والخفيفة بشكل شبه مطلق .. تصفيقة حارة و”كل واحد يبوس يده وجه وظهر” ..

إذن قررت أخيراً الاتصال برئيس مجلسنا الانتقالي وتسجيل نفسي في قائمة الطحالب التي يبدو أنه يعلقها على جدارمكتبه ويغطيها بالستائر لدواعٍ رئاسية تقضي بأن مكتب رأس السلطة (بضم السين وسكون اللام) يجب أن يخلو من الشوائب كلياً، خصوصاً في وطن كليبيا التي حباها الله على مر تاريخها المعاصر بقادة لا يخطئون، وبإعلام يُخوّن من يتوهم غير ذلك، وبجماهير تهتف لهذا الزعيم غير المنتخب دائماً بضرورة أن “سير ولا تهتم يا قائد .. نصفوهم بالدم يا قائد”، مع إمكانية استبدال لفظ “قائد” بـ”جليل” أو “حفتر” أو حتى “أنجلينا جولي”، الأمر سيان لدى البعض الذي أدمن رفع صور كل من يصل إلى قمة الهرم السياسي في ليبيا،  بتأثير من ذهنية متغلغلة في جذور الثقافة المحلية والعربية السائدة والتي تقضي بأن الولاء يكون للأشخاص وليس للمباديء والأفعال، وأن الحكم على الأشخاص يكون مطلقاً ولا تفصيل فيه، فأنت إما نبي الله المرسل هدىً للعالمين، أو أنك رأس الكفر الذي يجب رميه إلى حطب جهنم، عملاً بالمبدأ القذافي العتيد “معي .. أنت جميل .. ضدي .. أنت عميل”، وإقراراً لحقيقة أن التُبَّع يحتاجون دائما إلى متبوع .. القائمة الجديدة لن تمكنني بالطبع من الاستمتاع بالمزايا المزعومة للثوار – والذين وصل عددهم بقدرة قادر إلى مائتي ألفٍ وخمسة مقاتلين في عين العدو- ولكنها ستعفيني من الهتاف المخجل ” والله والله والله .. عن شنتنا مانتخلي ” وستمنحني حق النقد الذي يبدو أن سيادة المستشار لم يعد يطيقه أو يطيق أصحابه ..

إن الدعوة لتأجيل التناول النقدي للمجلس الانتقالي أو الحكومة المؤقتة أو أعضائهما لهي دعوة تعيدني إلى الوراء إثنين وأربعين عاماُ، وتحديداً إلى انقلاب القذافي على عرش الملك محمد ادريس السنوسي – رحمه الله – وسلبه للسلطة، حينها قام جيل سيادة المستشار من الشباب بمناصرة القذافي واستقباله بالورود، تحت تأثير أفيون التغيير الذي حرص على توزيعه من اليوم الأول في بيان انقلابه المشؤوم، والذي وعد فيه بالقضاء على الفساد والمفسدين، ودعى إلى الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، كلمة حق أريد بها سلطان، ومطالب مشروعة استطاع المقبور أن يلبس عبائتها ويحشد من خلالها تأييداً شعبياً لفترة كانت كافية لتعطيه غطاء الشرعية الثورية التي استطاع عبرها أن يُقلّم معارضيه ومراكز ثقل السياسة والاقتصاد في ليبيا واحداً واحداً، ويرسخ دعائم حكمه وملكيته لليبيا، في الوقت الذي كان فيه بعضهم يهتف بهستيريا مفرطة “مانبوش كلام لسان نبو شنقة في الميدان” .. وما أشبه اليوم بالأمس ..

سيدي المستشار .. إن الاعتصام الجاري حالياً ببنغازي – رغم أهميته – لم يكن السبب لكتابتي لهذا المقال، فالشباب في الميدان يملكون من قوة الحق ما يجعلهم في غنىً عن مساندتي، إلا أن التصريحات غير المسؤولة التي صدرت من حضرتك ومن بعض أتباعك وعلى رأسهم مجلس حكمائك المضحك، والتي تنعت المعتصمين من أجل إحقاق الحق بالمارقين وأزلام النظام والطابور الخامس وغيرها من التهم المعلبة التي تباع جاهزة على أرصفة المتسلقين دون ثمن، هذه التصريحات تنذر باستمرار وجود الذهنية الساذجة ذاتها والمطالبة بتأجيل اتخاذ الخطوات الصحيحة اللازمة بحجة أن المرحلة حرجة وأن الوقت لا يسمح، لتحكم على الوطن بالبقاء في مهب الريح المهاجرة من دكتاتورية إلى أخرى، ليتكرر المشهد المبكي ذاته بممثلين جدد، وربما بمخرج قطري أو أمريكي هذه المرة ..

سيادة المستشار، احترامي وحبي لشخصكم الكريم ومواقفكم الوطنية جم، إلا أن حب ليبيا أجم، وحرصي على الوطن الجريح أعظم من حرصي على مشاعركم، و قمة خوفي أن يأتي يوم أقول لإبني فيه .. “ذهب الطاغي .. وبقي الطغيان” ..

                                                                      السلام عليكم

م. أحمد بن موسى

طابور خامس ومن أزلام النظام

ملاحظة:

لم أستطع إجراء الاتصال بسيادة المستشار لعدم وجود رقمه في دليل الهاتف، وعدم وجود دليل هاتف أصلاً .. يا ليبيا يا جنة ..

سجل يا تاريخ

سجل يا تاريخ .. نحن هنا ..

سجل يا تاريخ .. أننا أصحاب حقٍ و أصحاب قضيةٍ و أننا عنيدون إلى حد بعيد ..

سجل أن الحق حصحص وحصحصت معه الكثير والكثير من الخفايا القذرة لنظام ظل قبيحاً رغم كل محاولات التجميل والتجمل ..

سجل أن الليلة الأولى كانت غريبة ، والثانية كانت مضيئة، وأننا ظهرنا لضوء النهار ثالث أيام الثورة فلم تفتقدنا الشمس بعدها ..

سجل أن الآلاف أصموا آذان قوات القمع على جسر جليانة .. وأن الصدى كرر بالتزام كل ما ردده المتظاهرون .. وأن السماء كانت مسودة بغيوم لم تدمع.. وأن مؤذن المسجد القريب نادى لصلاة المغرب “الله أكبر” .. وأن الجو كان مهيباً ….

سجل أن قوات الأمن المدعومة بالمرتزقة بدأت بتوزيع الموت على المدنيين المدججين بالإيمان دونما تمييز .. وأن بعضنا تساقط كما تساقط نظام قاتله .. في حين قفز محترفوا السباحة إلى البحيرة الملوثة هرباً من جنود إبليس .. أما أنا فقد جريت كما لم أجر من قبل .. صوت وقع أقدام الآلاف على الأرض .. صوت الرصاص الذي أسمعه للمرة الأولى .. أحدنا يلتقط قنبلة مسيلة للدموع ويرسلها باتجاه مسعوري قوات القمع .. فيردون برصاص أحمر شديد الظهور على سماء بدأت تغرب عنها الشمس ..  بحثت عن أصدقائي وأبناء عمومتي .. فررنا من أكفاننا ودخلنا دخول الفاتحين إلى عمارة “بوجازية” .. نعاني التعب والكدمات ونستمتع بالزغاريد و”الله ينصركم يا باتي” .. استضافتنا عائلة كريمة وقامت الحاجة “نعيمة” بتطبيب جراحنا بالدموع وبالدعاء .. سجل أنني بكيت كما لم أبك من قبل …..

سجل يا تاريخ أنني انتحبت و أنني بكيت وطناً يذبح منذ عقود أربعة .. بكيت ليبيا الحبيبة .. ليبيا العذراء المغتصبة .. بكيت شبابا لم يعرف له ذنباً سوى أن التاريخ العاثر ألقى به بين أنياب هذا السفاح .. سجل أن النظام حفر لنا قبراً واسعاً بطول ليبيا وعرضها ..

سجل أن أمي كانت تبكي في كل مرة أخرج فيها من البيت للتظاهر .. ووسط الدموع والإقناع تبرر “هذا مايرحمش” .. وسجل أنها كانت أبسل مني يوم حاول المجنون يائساً دخول بنغازي .. “أنت ميت ميت” .. هكذا ودعتني ..

سجل يا تاريخ أن النظام قبيح وبشع إلى حد مخيف .. سجل أن رائحة جثامين الشهداء المحترقة قد ملأت الشوارع المحيطة بالكتيبة .. وأن الأمهات تبكي كل ساعة أطفالاً واراهم التراب بعد صلاة العصر .. وأن الرجال يدفنون بنصف جسد .. وفي نصف قبر .. سجل أن الدموع لا تجف على وجنات العذارى .. أو من كانوا عذارى …..

سجل يا تاريخ أن البعض باعوا ليبيا بمناصب رفيعة ووضيعة .. وبأموال ونساء .. وبثمن شديد البخس .. وسجل أن آخرين اشتروها بدم أحمر ساخن .. بأعراض شريفة .. وبأموال حلال .. اشتروها بالعرق وبالصراخ وبالدموع .. اشتروها بلقمة دافئة تدخل جوف طفل فتمنع عنه الجوع .. وبابتسامة صادقة تحييك صباحاً فتقول للمرة الأولى .. “صباحك حرية” ..

سجل أن بنغازي باسلة .. وقوية .. وعنيدة .. ورائعة .. وأن جيرانها ردوا حبها لهم بالمدد يوم المدد .. وبالدم يوم الدم .. وبـ “الله أكبر” يوم قررت أن تزأر .. سجل يا تاريخ أنها صنعتك في ليبيا على مر العصور .. وأن رائحة الدم دقت أبواب البيوت لتطلب من أهلها الخروج أكثر .. والتظاهر أكثر .. والتحرر أكثر وأكثر .. في بنغازي الدم لم يرسل الرجال والنساء إلى بيوتهم خوفاً .. بل أطلق نداءًا عالياً التقطه أشاوس الشرق و مصراتة  و الزاوية و زوارة والزنتان وجبل الرجال .. جبل نفوسة .. فكان ما كان .. وما سيكون ..

سجل أن طرابلس نهضت كالأم تدافع عن أبنائها .. وكالأم تحملت الثقل الأكبر في صمت .. وكالأم بكت في صمت .. وكالأم تحدثت عيناها بمالا يقوله اللسان .. ومالا يقوله الصمت ..

سجل وأمعن في التسجيل .. فنحن بالمرصاد .. نسجل معك ونتذكر ما لنا وما علينا .. نحصي قطرات الدم والدموع والرصاص .. ونعرف كل وجه وقف مع الشيطان ضد شعبه .. ضد الحق .. تعلمنا حيل ادعاء الجهاد و أساليب إنكار التاريخ من ملك الملوك فلن تنطلي علينا مرة أخرى .. فالحقيقة أسطع من شمس الفاتح التي غربت وراء البحر .. والتسجيل مستمر ككفاح القائد المهزوم .. والله في الوجود ..

سجل يا تاريخ أن ليبيا ولدت من جديد على أيدينا .. وأن القضية انتصرت وإن لم تنتصر ..

أحمد بن موسى