الدوامة الصامتة ..

كالعادة المكررة في ليبيا .. تصر الدولة والإعلام و”الحكماء” على وضع الشعب كله في قالب واحد .. فإما أن يتظاهر مجتمعاً .. أو يسكت مجتمعاً .. وخلاف ذلك خيانة وفتنة وإثم عظيم .. تكرار ممل لنتاج فكر شمولي تشرّبه الشعب عبر عهود طويلة من الـ”ممنوع” والـ”عيب” و”رد بالك” .. إلى آخر المتوالية التي تقضي بأن الدوامة الصامتة – كما يقول علماء النفس – تفرض على المجتمع اتجاها واحداً ورأياً وحيداً .. يجرم كل من يخالفه ويتهمه بالعمالة والاندساس والخيانة، فتتحول ممارسة الحق الطبيعي في التظاهر إلى غول ضخم يحشوه الـ”حكماء” بنظريات المؤامرة والفوضى والتشكيك في صدق النوايا .. وتصبح فرضيات “ماذا لو استغلت من قبل أزلام النظام السابق؟” حقيقة مقدسة تماماً كالهولوكوست في الغرب .. لا ينكرها إلا مغامر كـ”روجيه جارودي” .. فإلى متى يستمر هذا الهذيان؟؟

إن تأخير المؤتمر الوطني في اختيار الحكومة نتيجة للصراعات السياسية التي وضعت الأحزاب قبل الوطن، ثم تلكؤه في اعتماد تسمية وزير الداخلية وما صاحبه من تجاذبات ونقاشات ولكمات داخل القاعة، أفقد ليبيا عدة أشهر شديدة الأهمية في مساعي تأمين البلاد، الأمر الذي أدى إلى انفلات أمني غير مسبوق ولم نشهد له مثيلا من قبل، مما ضاعف من صعوبة المهمة على وزارة الداخلية، والتي نسأل الله لها التوفيق ..

كما إن المخالفة الصريحة للإعلان الدستوري والتي قام بها أصحاب الكراسي في ركسوس، وذلك بقرارهم تشكيل لجنة الحوار المجتمعي المنوط بها بحث أمر مقرر أصلاً .. تدل على أن “البال رايق” .. وعلى نسيانهم حساسية الوضع الحالي في ليبيا والتي تستلزم حرق المراحل بدل مطها وإطالتها، في تضييع فادح لوقت هذا الشعب الذي ينتظر إقرار الدستور على جمر، وذلك ليبدأ فعليا في مرحلة بناء ليبيا التي يحلم بها ويتحدث عنها في كل يوم وليلة ..

إذا تناسينا ضعف أداء المؤتمر .. وما يقال وما سيقال عن أخطاءه وعن حقوق مسلوبة ومؤسسات منهوبة ومليشيات وفساد وقضاء معطل و و و و و .. فإن النقطتين السالف ذكرهما فقط تكفيان للشهادة بأن المؤتمر قد فشل في تنفيذ المهمتين الأساسيتين الموكلتين إليه وفق الجدول الزمني المنصوص عليه في الإعلان الدستوري المؤقت .. الأمر الذي فرض على الوطن أن يدفع كل يوم ثمن أخطاء المؤتمر مالاً وأعماراً ودماً يسيل كل ليلة في أزقة الوطن الخلفية ..

للمتشدقين بما “قد” يحدث وما “قد” يستغل وما “قد” يكون .. نقول إنها لهجة عفى عليه زمن من عاش عمراً يرتعد من ظل القذافي .. لقد شبع الناس – أيها السادة –  من الشعر والإنشاء وتهم الخيانة ونظريات المؤامرة التي – ككل الأوهام – ستستعمل ضدنا غداً كما نستعملها اليوم .. وكما استعملها القذافي ومبارك وما باد من أنظمة .. وواجب الدولة حماية المتظاهرين أثناء ممارستهم لحقهم المنتزع من أنياب الدكتاتوية ، وحماية أمن منشآتها ومؤسساتها من الغوغائيين والعابثين والمتنفعين .. ليظل للناس الحق في هز الأرض تحت أقدام أعضاء المؤتمر الوطني الذين نشهد تقوقعهم يوماً بعد يوم في حاضرة ركسوس وما حولها .. ليبقى الوطن رهين الأبراج العاجية دون أمن .. ولا دستور .. ولا مستقبل ..

حفظ الله ليبيا

 Ahmed Ben-Mussa

خمسة ..

ينقسم القاريء الليبي حيال ما يكتب عامة – وما يكتب عن الفيدرالية خاصة – إلى قسمين رئيسين، الأول متحمس للقضية بشكل لافت، يقرأ بنهم وينشر باجتهاد  ويناقش باندفاع .. ويحرص على شد كل الحبال التي توافق ما يراه حلاً للمعضلات الليبية على أنواعها .. والثاني يرفض القراءة أصلا على اعتبار أن القضية كلها لا تتعدى كونها محض هراءٍ يلوح به الطامعون والانفصاليون والخونة والعملاء … إلى آخر الأوصاف ..

وبعد مرور ما يقرب من عام على مؤتمر سكان إقليم برقة الشهير بـ”مصنع الصابون”، والذي – إتفقنا معه أو اختلفنا – تمكن من المجاهرة بالمطلب الفيدرالي ووضعه بقوة على طاولة الخيارات السياسية الليبية، وتمكن – بحنكة منه أو بإخفاق من حكومة المركز – من حشد عدد يتزايد كل يوم من المناصرين للخيار الفيدرالي في كافة ربوع الوطن .. بل إنه تمكن من رفع مختنق المركزية على سلم الأولويات الوطنية – ولو نظرياً – وفتح المجال واسعاً أمام المجتمع الليبي لمناقشة هذا التحدي وسبل حلحلته ..

وبما أن مرحلة صياغة الدستور قد صارت تلوح في الأفق – أو هكذا هي الأماني – ، فإنه قد حان الوقت لرسم بعض النقط على حروف النقاش .. ولإيضاح عدة نقاط وجب طرحها بشكل موضوعي بعيد عن التشنج الليبي العتيد ..

أولى هذه النقاط هي أن الطرح الفيدرالي قد نضج خلال العام المنصرم بشكل يصعب إنكاره، وأن ملامحه الدستورية قد بدأت في الظهور بشكل مؤطر يسهل نقاشه على أسس المنطق والحكمة والوطنية، دون تحيز مسبق لأحد طرفي النقاش ..

 ودون شرح مكرر لميزات الفيدرالية وعيوب غيرها ، يمكنني هنا أن ألخص بشكل عام المعالم الفارقة في الدستور القادم من وجهة نظر المنادين بالنظام الفيدرالي \ الاتحادي، والتي ترتكز على الأركان الخمسة التالية:

1-      أن يكون للدولة الليبية برلمان متكون من غرفتين: مجلس النواب، ويكون التمثيل فيه متناسباً مع عدد سكان كل إقليم\مقاطعة .. ومجلس الشيوخ، ويكون فيه التمثيل متساوياً بين الأقاليم الثلاث .. على أن يحدد الدستور صلاحيات واختصاصات مجلسي النواب والشيوخ، على أن تحدد الأحكام الداخلية وعلاقة الغرفتين ببعضهما وفق الأعراف الدستورية المتعارف عليها ..

2-      أن يكون لكل إقليم أو مقاطعة مجلس محلي منتخب من سكان الإقليم، يقوم هذا المجلس بتعيين محافظ أو حاكم لهذه الولاية، ومهمته تشكيل حكومة محلية تقوم بتسيير الشؤون المحلية من تعليم وصحة واقتصاد وخدمات وأمن .. الخ

3-      أن يحدد الدستور صلاحيات الحكومة المركزية (الفيدرالية) والتي تعنى بالأمور السيادية (التمثيل الدبلوماسي، الخارجية، الدفاع، الجنسية، إصدار العملة .. الخ)، على أن يوكل ما يخالفها إلى الحكومات المحلية

4-      أن يكون للمجلس المحلي صلاحيات تشريعية تمكنه من سن قوانين تعنى بشؤون الحوكمة المحلية من اقتصاد وتعليم وصحة وبنية تحتية وما إلى ذلك، إلى جانب المصادقة على الميزانية المعدة من قبل الحكومة المحلية، الأمر الذي سيوفر المرونة اللازمة لخلق جو من التنافس الصحي بين الأقاليم على غرار هامبورغ وميونيخ، ونيويورك وفلوريدا، وأبوظبي ودبي .. وغيرها من الأمثلة في الهند وكندا والبرازيل وسويسرا .. إلى آخر القائمة الطويلة ..

5-      أن يتم توزيع الثروات السيادية بشكل عادل يضمن إحداث تنمية مستدامة في كل الأقاليم، بحيث يراعي التوزيع عوامل عدد السكان والمساحة الجغرافية معاً، مع تفضيل نسبي للمناطق المنتجة للنفط (والذي تنتجه الأقاليم الثلاثة)، وتخصيص نسبة ثابتة للحكومة الاتحادية لتوفير الغطاء المالي للمصروفات السيادية ومشاريع التنمية الاتحادية المشتركة

غير أنه من الواجب هنا إيقاف كل السجالات الدستورية عند نقطةٍ فيصل .. وهي أن الدساتير لا تكتب وتقر بمنطق المغالبة والأكثرية، بل بمبدأ التوافق الذي يحافظ على وحدة الدولة وعلى السلم الاجتماعي بها، وأن هذا التوافق وحده سيجنبنا حالة الاستقطاب التي نراها الآن في مصر حتى بعد إقرار الدستور ..

لذا فقد وجب أن يتم الاستفتاء على الدستور في كل إقليم من الأقاليم الثلاثة على حدة، وذلك تفادياً لتغليب كفة الميزان الديموغرافي لصالح الأقاليم المكتظة بالسكان،  وإقرار دستور لا يرتضيه سكان المدن والقرى البعيدة عن العاصمة، الأمر الذي سيهدد وحدة ليبيا وسلمها الاجتماعي .. وينذر بدخولها في نفق نهايته لن تكون بالضرورة حافلة بالنماء والازدهار .. وعملاً بالقاعدة القائلة أن أصول الديمقراطية تقتضي بأن يقرر الناس مصيرهم بأنفسهم .. ولو كانوا أقلية ..

*********

يقول ابن خلدون :

“إن العمران البشرى لا يتحقق إلا فى ظل العدل الاجتماعى، لأن الظلم مؤثر فى السلوك البشرى يضعف النفس ويجعل مزاجها مريضا، ويهدم قيم الخير فى الطبيعة النفسية، ويؤدى ذلك إلى الانقباض عن الكسب وذهاب الآمال فىتحصيل الأموال، فيقعد الناس عن العمل والكسب وتكسد أسواق العمران، ويخرج السكان من الأمصار فيؤدى ذلك إلى تراجع العمران وفساد الحضارات 

حفظ الله ليبيا

Ahmed Ben-Mussa

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

طول السلك يودر الإبرة ..

“طول السلك يودر الإبرة ..”

هكذا تقول القاعدة وهكذا يتكلم المنطق .. وهكذا ندرك نحن أن بلداً بدون دستور هو بلد يجلس على حافة الهاوية .. منتظراً بكل سذاجة دفعة حمقاء أو مدروسة من أحدهم .. ترسله إلى ما خلف العصور .. وهكذا نقول أن الضرورة تحتم علينا طرح سؤال شديد الإحراج والأهمية والبساطة في ذات الوقت ..

“ما هو شكل الدستور الذي نريد؟”

إن من يطرح تساؤلا كهذا على من هم حوله على اختلاف توجهاتهم الفكرية والسياسية، سيصدم بحقيقة مرة حد الفزع، وهي أن معظمنا لم يفكر حتى الآن في شكل الدستور الذي يريده لحكم ليبيا، وأن الدستور المثالي بالنسبة للأغلبية يظل هلامي المعالم والأبعاد، لا يدرك شكله ولا كنهه على وجه التحديد، فيختزل المخاض الدستوري – مرحليا على الأقل – في هوية من يضعون الدستور وتوجهاتهم (فيدراليون .. إسلاميون ..  ليبراليون .. الخ) دون نقاش فعلي ومفصل لطرحهم الدستوري ومدى صلاحيته من عدمها .. وذلك في انعكاس متوقع لطبيعة الفكر العربي المتخم بالـ”شخصنة” .. وهنا تكمن المعضلة ..

إن القاعدة العامة تقول إن الدستور في أي بلد هو عبارة عن اتفاق بين سكانه على مجموعة قواعد أساسية تحدد شكل دولتهم ونظام الحكم فيها واختصاصات سلطاتها الثلاث، كما توضح حقوق السكان وواجباتهم، وبناء عليه يتم إصدار القوانين الخاصة بكل الأمور داخل الدولة .. إلا أن هذه القاعدة تظل بقيمة الورق الذي كتبت عليه مالم تمثل فعلا التوافق المجتمعي لكل أطياف الشعب على ثوابت بعينها، توافق ينتج عن حوار عميق ومفتوح وصريح، تفتح فيه كل الملفات دون مواربة أو مجاملة أو محاباة، وتمثل فيه كل الأقليات العرقية والسياسية والسكانية والاجتماعية ..

دعوني أوضح أكثر.. إن أي حوار دستوري – سواء كان ستينياً أو مجتمعياً – يظل معيباً وغير ذي قيمة ما لم تشارك به الأقليات العرقية (الأمازيغ، التبو، القريت .. الخ)، والأقليات السياسية (الفيدراليون، السلفيون .. الخ)، والأقليات السكانية (مصطلح معيب توصف به فئتا الشباب والمرأة رغم كونهما مجتمعين يمثلان أكثر من نصف المجتمع)، والأقليات الاجتماعية (أبناء القبائل الصغيرة والفئات المستضعفة) .. و غيرها من الأقليات على أنواعها ..

المختنق الآخر هو أن الدستور يمثل عملياً عصارة وعي المجتمع بإرهاصات قضايا المواطنة والعدل والمساواة، بحث ينعكس مستوى هذا الوعي مباشرة على مواد الدستور وبنوده، وبالتالي على شكل الدولة في المرحلة اللاحقة، وذلك لكونه إفرازاً طبيعياً لهذا المجتمع صياغةً واستفتاءاً، فالمجتمعات التي تتمتع بقدر عالٍ من الثقافة والوعي تفرز بطبيعة الحال دساتير متحضرة تؤسس لبناء دولة القانون وتوفير شروط الانتقال الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة، بحيث تنشأ عنها أنظمة ديمقراطية تعددية مع تعزيز ضمانات حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في كافة المجالات: المدنية والسياسية والاقتصادية ..

وعلى الجانب الآخر تنحشر المجتمعات النامية داخل قوالب معدة سلفاً عبر عشرات السنين من الفكر الديكتاتوري، والتي نزعت متواليات المواطنة والعدل والمساواة والتسامح، وزرعت محلها سموم الأفضلية والفوقية والإقصاء، الأمر الذي يضعف إمكانية صياغة دستور يرتقي إلى مستوى الطموحات، وحتى في حال صياغة دستور مثالي شامل يحتضن كل الأطياف والتيارات الدينية والعرقية والجهوية ويضمها على أساس المواطنة، فإن احتمالات نجاته من التصويت بـ”لا” ساعة الاستفتاء تظل ضئيلة إذا اكتنز المجتمع بنعرات شتى، وافتقد إلى مفهوم التسامح وتقبل الآخر فكرياً وعرقياً وسياسياً وجهوياً .. الأمر الذي يرجع إلى الأذهان حقيقة أن الديمقراطية لا تصلح في مستشفى المجانين ..

هنا تبقى الدعوة بوضوح الشمس .. علينا أن نبدأ اليوم في تنفيذ خطة وطنية شاملة متعددة الخطوط والمسارات، تعمل من ناحية على مناقشة فقرات الاستحقاق الدستوري على كافة المستويات .. علينا أن نبدأ بأن نسأل أنفسنا هذا السؤال البديهي “ما هو شكل الدستور الذي نريد؟” .. وأن نبحث في داخلنا ومع من حولنا عن هويتنا المجتمعية التي نود تجسيدها في دستور يفتح لليبيا أبواب التقدم والازدهار .. وفي الوقت ذاته يبقى نشر قيم المواطنة والعدل والتسامح وتقبل الآخر باختلافاته، يبقى على قمة هرم الأولويات التي بدونها سنصنع نسخة مكررة ومحزنة من العراق أو الصومال أو غيرهما .. وتبقى المسؤولية على الدولة لدعم مؤسسات المجتمع المدني على اختلاف أطيافها للقيام بدورها في هذا المشروع الوطني، ولتخرج هذه المؤسسات من حالة الـ”شنطة وختم” التي التصقت بها مؤخراً ..

ولهذا الموضوع حكاية أخرى ..

حفظ الله ليبيا

Ahmed Ben-Mussaأحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

بنغازي .. ولحظات الحقيقة ..

طفح الكيل في بنغازي وطفحت معه إرادة سكان مدينة كانت يوما بأمان البقاع المقدسة .. وصار المواطن يسلب كل يوم إحساسا بالأمان لم ولن يستطيع العيش دونه .. وضربت الدولة على قفاها ككل مرة .. لتظهر بحل يتكون من غرفة أمنية وتصريحين وبعض الوعود التي لا تمتد إلا بامتداد ذاكرة الشارع الشديدة القصر .. فهل نتعلم من أخطائنا؟

في كل مرة يضاجع بعضهم حق المواطن في عيش آمن على هذه السبخة البائسة الحنون .. تثور عاصفة من التكهنات والشائعات والاتهامات المتبادلة حول من يقف خلف هذه الأحداث .. فتلقى رصاصات الاتهام باتجاه المجرمين وتجار المخدرات تارة وباتجاه الإسلاميين تارات .. وفي كل مناسبة تكون شماعة الأزلام كبيرة بحجم الوطن .. فتكفي لتغطية كل عوراتنا وسوءاتنا .. لتريح الضمائر من عناء البحث عن الحقيقة .. في حين تقف الدولة كالعادة في صمت لا يعرف ما وراءه .. فتكتفي بمقتضب التصريحات التي تخبر الناس أن التحقيقات جارية .. وأن الصبر مفتاح الفرج ..

هنا – أيها السادة – نرى الحقيقة عارية – كما تقول الكاتبة (آن لاندرس) – ودون تجميل .. وهي أن “طبيخة” تعيين وزير الداخلية التي حركها آلهة النزاهة والشفافية الذين تشبعوا بالوطنية إلى حد التخمة، قد أثرت وبشكل مباشر على أمن واستقرار الوطن الليبي بشكل عام وعلى بنغازي بشكل خاص .. طبيخة امتزج طعمها بدم أبناء المدينة وبارتجاج هيبة الدولة من خلالهم .. وتأخيرتنقصه البراءة والحيادية و”النزاهة” ..

إنني – كناخب – أطلب من ممثلي بنغازي في المؤتمر الوطني العام الرجوع فوراً إلى المدينة الجريح .. وعدم مغادرتها إلا بعد عمل الآتي:

–          إعلان أعلى درجات الاستنفار للقوات المسلحة بالتعاون مع رئاسة الأركان

–          إعلان حالة الطواريء و حظر التجول الليلي في المدينة بالتعاون مع المجلس المحلي ورئاسة الأركان والداخلية

–          الضغط على الداخلية للكشف عن نتائج التحقيقات والقبض على كل من تشير إليه أصابع الاتهام دون أي محاباة أو مهادنة

–          إعداد وتنفيذ خطة طويلة الأمد لتأمين المدينة بالتعاون مع الداخلية والأركان، بدل الخطط والغرف الأمنية التي لا تتجاوز مددها عدة أيام في أفضل الأحوال

–          الكشف عن الحقيقة للشارع وإطلاعه على سير التحقيقات وخطة تأمين المدينة، ووضع إصبع المواطن على الحقيقة مهما كان قبحها وبشاعتها ..

إنكم أيها السادة ، تتحملون المسؤولية أمام الشارع البنغازي أكثر مما يتحملها المجلس المحلي العاجز عن فعل أي شيء، فتركيبة الدولة تضعكم أقرب إلى مراكز صنع القرار وتنفيذه، وتسمح لكم بفعل ما لا يستطيع غيركم فعله، تدابير إن لم تتخذوها فلن يحملها عنكم أحد .. وستظل كل دقيقة رعب في الشارع بحجم أيام وأسابيع من الندم الانتخابي القرمزي اللون .. وبحجم كراسي تطير بأصحابها خارج دوائر ركسوس  والذاكرة البنغازية ..

أيها السادة .. إن نزيف الوطن أكثر ألما من جرح الجسد .. بنغازي الحنونة اليوم في أضعف وأهون حالاتها .. تشتكي بصوت لا يكاد يسمع .. من عدو لا يكاد يرى .. أفلا تلتفتون إليها ؟؟

حفظ الله بنغازي .. حفظ الله ليبيا

 Ahmed Ben-Mussa

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

عقول في الثلاجة ..

في دول البطيخ العربي .. لأجل اللحى التي على الوجوه .. يهاجم البعض ويدافع آخرون .. فعن أي تقدم كنا نهذي طوال الوقت؟

******

إن النظر إلى حراك معظم الجمهور في كل من مصر وتونس، يبين بوضوح مستفز أن الأغلبية الساحقة تصفق أو تندد على الـ”هوية” الأيدولوجية .. وأنه لا أحد يجد من العاطفة ما يسمح له بإعمال عقله وفكره فيما يطرح السياسيون من أفكار وبرامج لمعالجة الاستحقاقات المتتالية – وما أكثرها –  في جولة أخرى من سجالات العقل والعاطفة ..  بل إن هذا الجمهور إما “إسلامي \ إخواني \ سلفي .. الخ” على طول الخط .. أو “ليبرالي \ وطني \ لا إخواني \ علماني .. الخ” على الخط ذاته .. وأن كل فريق يمجد من “يحب” ويجد له الأعذار مهما ارتكب من كوارث .. ويهاجم الآخر ويشتمه مهما قدم للوطن من تضحيات وأفكار ومشاريع .. ولا مانع من التشكيك في صدق النوايا..

إن ذهنية “عنز .. ولو طارت!!” تظل مهيمنة على الحوارات السياسية على مستوى الشارع، لتجد طريقها إلى عقول الساسة والمتحركين في فلكهم .. فتتبدل ثنائيات الموافقة والنقد بثنائيات الحب والكراهية .. توضع العقول في الثلاجة والضمائر في الدرج وتوضع البقية في ساحة قتال بأهداف يتوهمها كل طرف .. وبفتوحات وانتصارات لا تحمل رائحة المستقبل ..

لنوضح الأمر أكثر .. إن الأنظمة الديمقراطية نشأت ليكون الحكم للأغلبية بفرضية أن الأغلبية ستختار الأصلح، وليس الأقرب أو الأحب .. لذا فإن العملية الديمقراطية الحالية المصحوبة بهذا الكم من التخندق الأيدولوجي لن تؤدي بالضرورة إلى التقدم والازدهار، لأن الحاكم سيجد على الدوام أغلبية تسانده مهما قال أو فعل .. وبالتالي ترجع الأمة إلى “سيدي بوزيد” لتلتهم النيران المزيد من البشر والأفكار، ولنكتشف أن مشكلتنا في الأصل لم تكن الديكتاتورية في حد ذاتها .. بل إن الدكتاتورية هي مجرد عرض من أعراض هذه المشكلة .. وأننا أمة تعاني أزمة جهل فكري من نوع آخر .. جهل مدجج بالزهو وادعاء الحقيقة .. يسرح في شراييننا دون تقييد، يشخصن الأفكار والأقوال والأفعال، ويستحيل معه الحكم العقلاني على شؤون الأمة وهمومها .. وأن إقامة العملية الديمقراطية من انتخابات وغيرها لا تحل المشكلة ما دمنا نرضع مهارات التعنت والانحياز العاطفي منذ الطفولة .. وكما يقول السيد محمد تقي المدرسي في كتابه (العمل الإسلامي):

“الديكتاتورية لا تبدأ من الديكتاتور، وإنما من المجتمع الذي يسمح لنفسه بأن لا يريد .. بأن لا يختار .. بأن يكون عبد غيره وقد خلقه الله حراً .. ولا يمارس أفضل وأحسن وأعلى وأهم نعمة أنعمها الله عليه وهي نعمة الإرادة ونعمة الحرية” ..

وإذا أسقطنا عوامل الثقافة والتاريخ والجغرافيا من كل من مصر وتونس على ليبيا، وأضفنا بهارات المناطقية والقبلية والنفط وانتشار السلاح، فإن المشهد القادم يكون ظلاميا إلى حد مرعب .. فينتقل الوطن من (ديكتاتورية الفرد) إلى (ديكتاتورية الجماعة) التي حذر منها فلاسفة السياسة وإن كانت كلمة حق أريد بها باطل شيوعي وقتها..

ولنتجنب الوقوع في مصيدة التنظير، فإنه يتوجب القول أنه لا خيار لدينا سوى التجربة، وذلك من منطلق أن الطريقة الوحيدة لتعلم السباحة هي محاولة السباحة فعلا .. ورغم صعوبة إحداث تغييرات اجتماعية وثقافية جذرية في أي مجتمع بين ليلة وضحاها، إلا أنه يتوجب علينا جميعا أن نمشي الخطوة الأولى .. ونحاول ممارسة التسامح وتقبل الرأي الآخر بشكل يومي .. في الأفق السياسي والثقافي والاجتماعي .. وعلى مستوى الأسرة والمدرسة والحزب .. لعلنا نمر من تحت النار دونما احتراق .. ولنتمكن في مرحلة ما من الحكم على الأمور من منطلقات العقل والمنطق .. ولنستطيع النظر إلى مصلحة الوطن بعينين صحيحتين .. ودون أن نلبس نظارة حزب أو تيار بعينه .. وليأتي اليوم الذي نسمع فيه الحقيقة كاملة .. بدل أن نسمع فقط ما نريد سماعه .. وفهمه ..

*******

يحكى أن أجدادنا قديما كانوا يقومون يوم التاسع والعشرين من شعبان بزيارة وادي “زازا” الوقع شرقي بنغازي ليسألوه عما إذا كان اليوم التالي أول أيام شهر رمضان أم لا .. وحكى لي جدي أن بعضهم كان يعيد صياغة السؤال ليسمع الجواب الذي يريده .. فيصيح: “يا وادي زازا .. نصيموا والا لا لا ؟” .. فيجيبه الصدى: “لا لا .. لا لا .. لا لا ..”

أفهمنا اللعبة الآن؟

 Ben-Mussa02

حفظ الله ليبيا

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

دردشة بعد خمسين عاماً ..

تمهل وافتح عقلك وقلبك وعلبتين من السردين الجيد .. وخبّرني ما الذي حل بما ألقينا في صحرائنا من خلافات؟ .. أحُلّت أم تناسيناها بحجة من  حججك المصطنعة؟ .. أطفقنا نطعم الشعب خبزاً وشعارات وما ضاع من آمال الجيل الذي مضى؟ .. أم أن الأحلام الثقيلة لا تتحقق إلا بمغادرة حدود الواقع الليبي بأي وسيلة؟ .. أغسلنا دموعنا على الشاطيء المحموم بالألغام والشظايا وحكايات العشق القديمة الملقاة على الرمل؟ .. أم أن الحال هو الحال؟ .. وأن اليأس أنبت في جيوب الأطفال ثقوباً تتساقط منها الأمنيات الصغيرة وبعض الكرامة؟ .. لك يا سيدي أن تختلق ما شئت من الأكاذيب لكن غربالك المثقوب لا يصلح لتغطية شيء في الواقع .. فماذا أنت بفاعل؟

أتترك بقايا الوطن يتوضأ في مائك القذر هذا؟ .. أتستمر في بيع الأكاذيب بثمن باهظ لكل ساذج يدمن الوهم ويحترفه؟ .. أم تنوي إعداد حقيبة السفر والموت ثراءًا وفسقاً وفساداً؟ .. أم أنك يا سيدي أتقنت تغليف الحقائق ونشرات الأخبار بما يحب المتملقون والمرددون على الدوام؟ .. أنت تعرف أن شعبنا الشديد الطيبة يتعلق بأي قشة .. وربما يرميها على ظهرك يوماً ما .. لعلك تصلح شيئاً ما .. لسبب ما ..

أنت تعرف كل هذا واستفدت من كل هذا جشعاً واستغلالاً وعهراً .. فجمعت من حولك بعض العجائز والـ”شياب” ولقنتهم ما يتوجب عليهم قوله وفعله في تجمعاتهم الواسعة .. علمتهم سلوك الببغاوات التي تردد فقط ما يقال لها وما يتوقع منها .. دونما فهم حقيقي لأصول الأمور وأسباب المشاكل ومواطن الحلول .. أنت فرضت أغنية النفاق والشعارات الثورية الصدئة على دفاتر التلاميذ .. فتعلموا غصباً أن “دم الشهداء .. ما يمشيش هباء” .. و داومت في الوقت ذاته على سلخ الوطن بعد صلاة العصر من كل يوم ..

هل لديك أقوال أخرى؟ .. هل لديك أفعال أخرى؟ .. هل لديك أقنعة أخرى تبدلها حسب احتياجات المرحلة وضروراتها؟ .. أنا – يا سيدي – تركت شاطيء الصابري منذ خمسين عاماً يعج بروائح المجاري والحشيش والشرمولة .. أغيّرت في الحال أي شيء؟ .. أم أنك ظللت تتقن نوم الظهيرة وهداريز منتصف الليل الماجنة غالباً؟ .. هل علمت أطفالي وأحفادي أن “الدنيا كفاح للوطن”؟ .. أم أنهم صاروا مثلك يمارسون الشكوى و “دق الحنك” مع طاسات الشاي التي لا تنتهي ؟؟

أنت ككل شيء في وطني ظللت على هذا الحال لنصف قرن وستظل .. لم تتعلم حتى الآن صيد السردين .. بل ظللت تشتري علبه الإماراتية الصنع بنفط ينقص ولا يزيد .. في جهل يزيد ولا ينقص .. ترقب سفينة أبنائك تتشرب مياهاً ستغرقها .. فلا يزيدك ذلك إلا خمولاً وشكوى .. وأشياء أخرى ..

لعنك الله واللاعنون .. وربما الملائكة أيضاً بعد أن تفرغ من الصلاة على شهدائنا .. وتأكد أن جدتي ستخلص في الدعاء عليك طوال اليوم وليلهِ .. وبين غفواتها القصيرة .. وسنجمع لك ما تبقى من حروف مشققة ومعلقة بأشواك الصحراء .. ونكتب لك بها تاريخ عار سيذكره أحفادك بعد قرن ونصف .. فيزيدون على عذاباتك لعنة أخرى ..

ها أنا أقولها .. خذ نفطك وغبائك وساديتك .. خذ ما شئت من السلاح والعتاد والثارات القديمة .. خذ سخافاتك وضيق أفقك .. خذ فسقك وفجورك ورقاعتك .. خذ المال وسوء الحال .. خذ كل شيء .. واترك لنا ليبيا ..

حفظ الله ليبيا

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa

زوار ركسوس ..

شاهدنا أخيراً ولادةً قيصريةً لحكومة تستلم بلداً أعرج بكل المقاييس .. والبركة في من لا يمثلون إلا أنفسهم .. زوار ركسوس ..

إن التقييم المبدئي لظروف عمل المؤتمر الوطني والحكومة (القديمة أوالجديدة) يجعلك تتخيل بارتياع فظاعة الأوضاع والظروف التي ستحيط بلجنة الستين الأكثر جدلاً، وما سيترتب عليها من ضغوطات مباشرة وغير مباشرة تتعلق بمصالح من يستطيعون الوصول إلى القاعة وأروقتها فقط دون غيرهم، سواء كانت هذه المصالح جهوية أو أيدولوجية أو حزبية، أي أن البعد المكاني دخل بعنف في قلب العملية السياسية الليبية، وأن الوزن السياسي لزوار ركسوس وممثليهم بالمؤتمر قد صار أثقل من غيرهم ممن يجلسون في “العجاج” في بقية البلاد، الأمر الذي ينتقص من المفهوم العام للمواطنة، والقاضي بأن كل المواطنين سواء أمام الدولة، ولهم من الحقوق وعليهم من الواجبات مقدار متساو لا يتغير بتغير الأصل والفصل والمفصل، وعليه يكون ساكن القطرون أو واو الناموس أو الجغبوب مواطناً تاماً، لا ينتقص من مواطنته بعده عن دهاليز صنع القرار في ركسوس في شيء ..

إن تهديد مفهوم المواطنة وتقسيم الشعب إلى درجتين، عليا تستطيع – لأسباب مكانية أو غيرها – التهديد والضغط على السلطتين – التنفيذية والتشريعية – ، وسفلى لها من الله الرحمة ومن الدولة المزيد من الشعارات الصدئة والهادفة إلى تخديرها لفترة أطول، إن هذا التقسيم يهدد وبشكل مزمن السلم الاجتماعي في ليبيا، ويبث من الاحتقان ما يدفع مواطني الدرجة الثانية إلى فعل كل ما بإمكانهم لتصحيح الوضع أو ربما قلبه، ورمي قشة إضافية على ظهر البعير الليبي الصبور ..

وفي هذه النقطة السياسية تحديداً – زماناً ومكاناً وتوجهاً – وجب علينا كليبيين اتخاذ ما يلزم من جراحات فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية – بل وأمنية- للخروج من عنق الزجاجة الطويل جداً، والتي يبدأ أولها بنشر مفهوم انتهاء مرحلة الثورة قبل أن تتحول إلى مستنقع يغرق فيه الجميع ..

إن الثورة لا تكون ثورة إلا لو وقعت على سبيل الندرة وبهدف التصحيح، وإلا فإن تكرار أحداثها وتواليها سوف يخرجها من باب الثورات، ويدخلها في قفص الفوضى المطلقة، لقد انفجر الشارع مرة للتخلص من الطغيان ولرسم خارطة الطريق الليبية نحو مستقبل مستقر وواعد، لذا فلا ينبغي أن نعيش في الثورة ذاتها، بل في الطريق الذي رسمته، وإلا فقدت معناها ومنطقيتها ..

وأخيراً، تتعالى الأصوات حالياً لنقل جلسات المؤتمر الوطني إلى مهدها الأول في مدينة البيضا، وذلك لتفادي الانتهاك المتكرر لجلسات ممثلي الشعب الليبي ولعزلهم عن صخب ركسوس وحاضرته، وهي فكرة بها من الميزات العديدة ما يجعلها شديدة المنطقية، أهمها السهولة النسبية في تأمين المكان وحمايته، وتبديد بعض المخاوف من تشكل مركزية تشريعية جديدة تضاف إلى متحف المركزيات الليبية العتيدة، بالإضافة إلى الرمزية التاريخية للمدينة كعاصمة للتشريع الليبي فيما مضى ..

 غير أن الأولوية تبقى في إظهار قدرة الدولة على حماية المنظومة الديمقراطية عبر تأمين ممثلي الشعب على كل شبر من التراب الليبي، وحمايتهم من تهديدات وضغط المحيط وما يحتويه، سواء كان الاجتماع في طرابلس أو البيضا أو سبها أو حتى في أم الرزم .. وحفاظاً على حيادية وكفاءة العملية السياسية الليبية، والتي صارت كعذراء “قزونة” .. يحاول الجميع اصطيادها .. ولكل نواياه طبعاً ..

 حفظ الله ليبيا

أحمد بن موسى

Follow me on twitter: @Ben_Mussa

Email: ahmed.benmussa@yahoo.com

https://benmussa.wordpress.com

https://www.facebook.com/sreeb.benmussa